Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

هذا كل ما أعرفه عن التصوير

كل صور المدونة لي إلا قليلاً، أشار عليّ بو أحمد، يوماً منذ سنوات، أن أنتبه لإطار الصورة، وأن أستخدم (البورتريه)، وكان هذا -وما زال- كل ما أعرفه عن التقاط الصور.

وقال أحمد مرّة -وكنت قد صورّت له سيارة قديمة مرّت سريعاً في الطريق (وكان يعتني بالسيارات القديمة)، فجاءت الصورة مهزوزة، فاعتذرتُ، قال: خالتي حتى لو كانت الصورة مهزوزة أم مائلة، حركة بعض الأشياء واهتزازها مناسب للصور.

وكان هذا كل ما أعرفه من التصوير.

غير أني كنت أصوّر في السفر الذي أقطعه منفردة أو مع ركب، أو أصور زوايا من الدار خالية أو مأهولة، أصوّر ابن أخي ينتظر والدي يفرغ من صلاته ليستأذنه، أو بقايا اللعب على ثياب البنات، أو التراب على أيدي الصبيان، أو طفلاً يحاول أن يتسلق (سور) الخيمة، أو شماغاً على المقعد، أو أثر يد أمي على المكان صرامةً أو إتقانا.

أو ما بقي من أثر الصلاة على السجادة، أو من ظل الشمس على مقاعد خالية في الطريق. (حتى كنت أريد يوماً أن أجعل صفحة أجمع فيها صوراً لنِعَم يستطيعها كل أحد: الغيم في السماء، الحجر المرصوف في الطريق، ظل الشمس، أو ظلال الشجر، كَراسٍ على قارعة الطريق، شَربة ماء، أو زاوية مسجد)

أمدّ كاميرا هاتفي في السفر في لحظات غير متوقعة، فتلتفت إليّ عماتي: ش تصورين؟ أو أتأخر عنهن في الميسير وأنا أقف على شرفة مكسورة نافذتها، أو أنحني على إصيص ورد مبلول على الرصيف، فيتململن وهن يستعجلنني:

– حق إنستقرام؟

– لأ، للمدونة

أصوّر مسبحة أبي، وبطاقة حمولة الطائرة، تركها على الطاولة ودخل ليتخفف من ثياب السفر -إذا ما زارني في الغربة، ليؤنس وحدتي ويبدّل انتظام يومي الذي جاهدت نفسي لأقِيمه– وحصالة اشتراها من محل هدايا في الطريق، يضع فيها كل يومٍ باوند صدقة مع أوراد الفجر، ينوي بها صلاح ذريته، عادةً لا يقطعها في سفر ولا حضر، ويوصي بها كل من يشكو من عناء تربية الأبناء أو صبوتهم.

أصوّر عبارة على قميص، أو ونقشاً على يد، أو زرعاً اكتمل أو لم يكتمل، ارتوى أو جفّ، أصوّر أثر الشمس في الأشياء، دورانها، وتهبني الحركة في الطريق صوراً من حيث لا أحتسب: فتمرّ فتاة أو يركض طفل، أو يتطاير بالون أو يصفق طائر جناحيه داخل إطار الصورة في لحظة مثالية لم أحتسبها .. ويؤتيني هذا من وعد أحمد: أن الحركة العادية أصل في الصور.

أحفظ بعضها في المفضلة، أو تضيع بين ركام الصور، أصوّر صورة أرى عيوبها لحظة التصوير، ثم أنسى تلك العيوب إذا رأيت الصورة بعد مرور الزمن، أو صورة كانت تذكّرني بحَرّ الشمس أو ضيق الطريق، راح منها هذا الشعور، وبقي من الصورة: الضوء، وسعة السماء.

وإذا الذاكرة أرشيف متحرك، لا تثبت، إذ ذاكرتك ليست توثيقاً أميناً محايداً على التجربة، ولكنها موقف شعوري يتغيّر مع مرور الزمن على حدث لم يتغير. فالأبحاث تقترح أن تقديرك لبهجة أو جمال لحظةٍ ما يزيد بعد فواتها (فالرحلة التي شعرتَ أنها كانت جيدة أو ممتعة بنسبةٍ ما، ستشعر إذا عُدت لصورها بعد مدة أنها كانت سعيدة أو حلوة بنسبة أكثر مما قَدَرته سابقاً!)

وتقول عماتي إذا رأين زاويةً ليس فيها ما يلفت أحد إليها -يناكفنني-:

حصة، صوري هذا للمدونة!

فأصوّرها عدة صور، وأضجر أن الصورة لم تنضبط لي، ثم إذا مرّ الزمن، عادت لتكون من أجمل اللحظات وألطف الصور.


هامش:

ليش ما عندك إنستقرام؟

– لأن الزحام يخيفني، والخفة تُثقلني.

وثانياً: لأني أضِنُّ بالدوبامين، وهو آلة تَعلّم تدفعك المسير!

3 من التعليقات

  • غير معروف
    Posted 31 أكتوبر, 2025 at 4:03 ص

    أخيراً وجدتك هنا.. ضغت على رابط الخفة تثقلني وأظنك تطرفت في تطبيق الرأي.. فالرأي وان صح ليس بإيمان واجب التطبيق..
    لا تحرمينا فيضك..

    • مؤلف المنشور
      حصة
      Posted 31 أكتوبر, 2025 at 7:58 ص

      صحيح، تطرفتُ :) ميل شخصي وانحيازات، نجعلها حُكما ونُفخّمها باللغة :)
      يا مرحباً بعودتك..

  • تتبّـع: كيف تُنشئ مدونة مرتبة؟ – مدونة حصة

أضِف تعليقاً

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id="14583" element_id="style-1"]