Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

لا تكتبوا عن الأحداث!: عما تتركه الحرب فيك

قبل عام فتحت مستنداً في حاسوبي لأكتب (نظرةٌ في الأحداث)، ولكني تركت الورقة بيضاء، لم أكتب فيها سوى عنوانها. (كنت سابقاً كتبت نصاً عنوانه: عما تفعله الأحداث فينا، لكني لم أنظر فيه بعدما نشرته، حياءً من الأحداث، أو من العجز، ومن التقصير، أو من الحياة!).

ما الذي تتركه الحرب في نفسك؟ وضعت الحرب أوزارها أو لم تضع، أو أنها استراحت، ما الذي يبقى فيك من أثر الحرب إن سكنَت الحرب؟

هذه خواطر أو تأملات مرت بي في مواقف متفرقة من الأحداث، جمعتها هنا، في نقاط:

  • لا تكتبوا عن الأحداث!

الحِمل ثقيل، والرافعة خفيفة، الأحداث ثقيلة وأداة التداول متهافتة. يقولون: تكلموا عن غزة، أو يقولون: اكتبوا .. وأداة الكتابة والقول لا هي منبر ولا دفتر؛ شاشات تحملها بين يديك -على مدار اليوم والساعة، تعرض عليك كل شيء، تكاثرالأحداث في صور، هل تتسع هذه المنصات للقول؟ وهي أصلاً آلات تطواف، ومعارض صور؟

حسناً، أن تكتب فيها، يعني أن تتوطأ هذه المنصات، التي أُعِدّت للعرض، أكثر من أنها أُعِدّت للحرف، ستسلب الكتابة فيها قدراً من الوقت والطاقة، ينصرف إلى “طريقة عرض” المادة للعين، وهذا يتعارض مع اللغة بوصفها أداة تلَقٍ تجريدية منَفَذها السماع. لا إنصات هنا، وإنما تلقٍ بالعين الباصرة، فيكون غاية ما تفعله هذه الوسائل أنها تلفتك إلى جهة الصورة، ثم تُتبعها غيرها، فتجمع عليك الصور من جهات شتى، فتكون آلة التلقي هي العين، والمادة منوطة بالصورة، وهذا خُرم في الوعي، وشتات التلقي -من وجهة نظري، المتأثرة بميلي وطبيعتي-.

كم سيبقى من المادة فيها؟، وكم سيُبذر -مما بقي- في أرض الوعي؟ أم أنها رياح لا تُبقي، إذ غاية ما تتحمله هذه الأداة: قَولٌ، يذاع فيتلاشى.

الأصل في طبائع الأحداث أن أمرا يكون، تشهده حولك، فتنهض إليه لِتفعل شيئاً، أو يغيب عنك -لا تصل إليك أخباره- فتُعذر شرعاً وضميراً، فأما ما شهِدت من الأحداث فواجبك أن “تفعل” فيها: فعلاً باليد، أو فعلاً بالقلب، أو فِعلاً باللسان. والقولُ في اللغة فِعلٌ (بعض الأشياء تؤدى بالقول، وقولها فِعلٌ لها: مثل النذر قول فيه تعهُّد يلزمك، والإعتاق قول تُفك فيه رقبة، والميثاق قول فيه إلزام عمليّ).

أما أن تُعرض عليك المآسي بكرة وعشياً، في شاشاتك التي هي نافذتك على العالم، وعلى عائلتك وعلى محيطك الخاص، فتقلّب هذه الشاشات (بين يديك) كلما أردت أن تُسيّر أمور يومك، ثم ترى بها كل هذا العالم، وليس بين يديك أن تفعل شيئاً، فهذا اعتلال.

غير أن الكلام عن الأحداث لا يتأتى لكل أحد، وليس كلنا يستطيعه، ولو كان صاحب قلم أو لسان.

تلك نفوس وأحوال، وما قد يصيبك قد يختلف في أثره فيك عن غيرك، ويختلف التعبير عن هذا الأثر، سواء كان المصاب مصاباً مباشراً في نفسك أو أهلك (وقانا الله وإياكم)، أو كان المصاب في الأحداث العامة التي صرنا نعيشها ونراقبها. ليس كل أحد يستطيع القول فيها: هناك من يضيق صدره وينطلق لسانه، وهناك من يضيق صدره ولا ينطلق لسانه . وهناك من ينصرف إلى عملٍ من جنس المصاب ، وهناك من ينصرف إلى عملٍ من غير جنس المصاب، وهناك من يُقعده المصاب عن العمل.

(قال علي الطنطاوي في (الذكريات) أنه يوم استشهدت ابنته بنان -رحمهما الله-، وجاءه المعزون من كل جهة، وهو -إذ ذاك- مقيم في مكة، يقول إنه كان يحسن استقبالهم، ويحدّثهم كل حديث إلا ما جاؤوا لأجله.

وظل بعد ذلك يكتب في شتى المواضيع، ولم ينطق باسمها – حتى في بيته، إلا بعد مرور أربعة أعوام ونصف على وفاتها. تلك أحوال ونفوس، دعها كما شاءها الرحمن).

ثم أني لا أظن أننا في ظل هذه الكثرة الكاثرة مضطرون أن نكتب عن الحدث، لا بمعنى أن ما يكتب لا قيمة له، ولكن بمعنى أن في ما كُتب ويُكتب كفايات. ليس الكلام عما يحدث فرض عين ، وليس السكوت عنه – أو التفكر فيه – من فروض الكفاية.
ثم أن الدين يأمرك أن تهتم بأمر إخوانك ، والهمّ فعل القلب لو تأملت – لا فعل اللسان، ثم هو لم يحدد لك كيف يكون اهتمامك.ولو دُفع الناس كلهم إلى الأعمال الظاهرة لكان في هذا فتنة لبعضهم، ولو دُفِعوا كلهم إلى ما لا يظهر من الأعمال لما علا صوتٌ في نصرة الحق. غير أن الإعذار والتنبّه إلى تفاوت النفوس عزيز، وهو من فِعل النبوة لو تأملت.

وثمة مساحات أخرى للفعل، أولها ما يحدث في نفسك.

  • أغنية بالإنجليزية

في أغنية أطلقها حمود الخضر بعد أربعين يوماً من بداية الحرب في غرة، على يوتيوب، ظهر جمع من الناس يحملون لافتات عربية في جمع غفير في ما يبدو أنه لقطات من مظاهرات ضخمة في العواصم: واشطن ولندن وعمّان، يتقدّم مطلع الأغنية العربية هتاف بالإنجليزية العربية: FREE FREE PALESTINE

هل في اختيار تلك المدن، وصورة التعاطف في شوارعها  إشارة إلى ما أسفرت عنه تلك الإبادة البشعة من تغيّر ملاحظ في المزاج العالمي تجاه القضية؟ هل في ذلك التفات إلى حضورها في أرجاء العالم؟ أ فيه التفات إلى نوع من التضامن يقوم به الناس في تلك البلاد؟

في زيارة لا تتجاوز أسبوعاً لمدينة إنجليزية وجدت متحفاً عن فلسطين يقيمه متطوعون (منذ  -2013، ويُعتبر هو الأكبر في أوروبا) ، ومظاهرة في الطريق أمام مبنى حكومي، تجمّع لناشطين يعلّقون صور صحفيين وأطباء وممرضين شهداء في (يوم العمال)، ويطرقون البيوت على الأهالي، يدعون أهل الحي لتوقيع عريضة تطالب (السوبرماركت) الذي يتبضعون منه أن يرفع منتجات شركات تدعم الكيان، وآخرون يدعون لإلغاء حفلة لمطرب أعلن دعمه لحكومة الكيان، وفي الجامعة تُعلّق على أبواب بعض الأساتذة وثيقة تدعو للمقاطعة الأكاديمية.

وكان متضامنون أوروبيون قد أطلقوا حملة للصيام في رمضان تضامناً مع أهل غزة: (سأصوم لأجلك)، يتعهد فيها المشارك بالصيام (الإسلامي) يوماً أو عدة أيام. يريدون من هذا الفعل: “أن تقوم بشيء” “تفعل شيئاً” من أجلهم هو “أكثر من “مجرد” التبرع بالمال أو بالوقت”.
ويقولون أن هذا الصيام مجرد خطوة في خطوات أخرى من التضامن، ويدعون إلى مواصلة التوعية والتعلم، والدفاع عن حرية فلسطين وحقها، الوفاء لتضحيات أهلها، والتبرع لهم.

التعاطف ممارسة ثقافية، (كانت -في أصلها- شديدة الخصوصية، قبل أن تصير البقاع والمدن أرضاً واحدة)، تتعدد ممارساته بتعدد المجتمعات والتصورات والممكنات. وقد زار الطهطاوي باريس وأقام فيها (١٨٢٦ – ١٨٣١)- فسجّل ملاحظاته من مشاهداته للحياة والمجتمع، فكان مما قال عنهم: “والمواساة عندهم بأفعالهم لا بأموالهم”.

بينما عندنا في النصوص يُقدّم الإنفاق في كثير من المواضع، وتأتي المواساة بالمال في طليعة صور المواساة، وتُقدّم (بأموالهم) على (بأنفسهم) في آي الكتاب الحكيم إلا موضعاً، فكأن التعاطف عندهم هو: فِعل اليد، وكأن التعاطف عندنا: عطاء مما في اليد.
وفي كل صور المواساة خير، غير أن تلك الصورة فاضلة غير مفضولة، فلا تزهد بما بين يديك إن أتيح لك، ولا تقلل من شأنه، فأول المواساة دار تُؤوي ولقمة تُقتسم، وما تمارسه ثقافة ضمن بِناها، وتصوراتها وأدواتها يجب ألا يزهّدك فيما عندك، إن أُتيح لك فعله.

  • هل فحصت أثر الدعاء في يومك؟

هل تعاظمت في نفوسنا الأفعال المادية حتى هونّنا في نفوسنا عمل الدعاء؟ هل انخرق في نفوسنا شيء من اعتقادنا بأثر الدعاء، في ظل ما يحدث في هذا العالم؟ تأمل صلتك بالدعاء في خاصة أمرك، كيف يفعل الدعاء في نفسك؟ وعلى أي حال تتوجه إليه؟ وما ظنك به؟ وسد الخلل إن وجدته، من سجادتك، وساعة خلوتك، ومطلوبك الذي ترجوه لنفسك، فأول إصلاح علاقتك بالدعاء تبدأ من هذا الطريق،  ثم يكون لك  ملجأً وملاذاً يكون له أثر في موقفك في النوازل.

  • لماذا لا تتوقف المآسي؟

لأن هذه الدنيا إلى الزوال، وقد اقتضت حكمة الباري وإرادته أن يهيّئ الدنيا إلى الآخرة بالبلاءات والفتن تأتي كقطع الليل المظلم (وقانا الله وإياكم منها)، اقبض على فسيلتك، واجعل كل معنى تتعلمه من نازلةٍ يعينك على الثبات على أختها، ولا تنس في الزحام أن تغرس فسيلتك فرداً، على غير إلحاح في تَطلُّبٍ أثرها سِوى في نفسك.

أعتقد أننا نحتاج تغييراً بنيوياً ميدانه النفس بطبيعة الحال، وهي أعظم ممكناتك، يتلمس معنى الحياة عندك وقيمتها، ولا يكون هذا إلا بالتأمل بالمعاد، الذي تُسيّرنا إليه هذه الحوادث.

أضِف تعليقاً

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id="14583" element_id="style-1"]