أديت الجزء الأول من أجزاء ثلاثة لاختبار ترجمة يمنح شهادة دبلوم مهني توازي درجة ماجستير في الترجمة، (يُطلب في الجزء الأول من الاختبار ترجمة مقال في موضوع عام، وفي الجزأين التاليين: مقالين متخصصين جزئياً في مجالين تختارهما: من الأدب، أوالعلوم الاجتماعية، أو الأعمال، أو التكنولوجيا، أو القانون، وغيرها). وتُمنح الدرجةَ إذا استوفيتَ النجاح في الأجزاء الثلاثة.
كنت قد اخترت أن أتدرب بترجمة نصوص اخترتها، لأنشرها في المدونة، أو نصوص تُرشّحها لي مواقع مهتمة بالترجمة فأُترجمها لهم، لئلا أُهدر وقت التدرّب، ولأني أَلِفة تسعدني المشاركة. ثم قررت أن أترجم مقالات أشتريها من مواقع معتمدة للتدرب على الاختبار. ترجمت المقالات مقيدةً بالمدة المحددة في الاختبار، وأعدتها إليهم ليقيّموها، فخطأوا ما ليس بخطأ من فصيح التعبيرات، وحصلت مع ذلك على درجة جيدة في بعضها، ثم صرت أدفع بالأوراق إلى مترجمة محترفة كانت تعمل في بعض المنظمات التابعة للأمم المتحدة، لتمدني بملاحظاتها، نبّهتني إلى بعض الأمور، واستحسنت مستواها، كنتُ مطمئنة إلى النجاح، وسجّلت مبكراً لتقديم للجزأين التاليين من الاختبار.
يوم الامتحان، كنت قد هيأت المكتب، كما أوصيَ في نشرات المؤسسة التي تعقد الامتحان : وضعت أبجورة على الطاولة، جعلت مزود الإنترنت في الغرفة، وقطعت صلة الهاتف المنزلي بالكهرباء، واستخدمت رافعة للحاسوب لكي لا أحني عليه ظهري، أثناء ساعات الاختبار الثلاث. أوصيتُ الخادمة ألا تطرق بابي مدة الاختبار، وهي حديثة عهد بمنزلنا، وكانت جليسة أطفال، ولم يُعجبها أن ليس في بيتنا من تجالسه، رتّبتْ الطاولة، وضعتْ فواصل على الحروف في معجم (المورد الأكبر) (يسمح الامتحان الاستعانة بمعجمات ورقية)، أعجلتني إلى فطوري وإلى زيّ الاختبار، ووعدتُها ببشارة إذا نجحتُ.
كان المقال المطلوب ترجمته في الاختبار عن توجهات المطاعم في صناعة الطعام، وتأثير وسائل التواصل على أذواق الناس واستهلاكهم. لم يكن المقال صعباً، غير أن أسماء بعض الأطعمة لم يكن سهلاً: نوعٌ معيّن من الستيك لا أعرفه على وجه الدقة، شطيرة لحم بمكونات معينة؛ كيف أسميّها؟ مشروب غازي من مكوناته الليمون، ولا أدري إن كان مخلوطاً بخمر أو لم يكن، تراميسو؛ ما المكافئ العربي له سوى كلمة حلوى؟ تصفحت (المورد) فوجدت فيه بعض الألفاظ المشابهة بينّها ببيان مكونات الطعام الأولية، ولم يورد اسماً.
وأنا -أصلاً- لا أعرف من مكافئات الأطعمة بالإنجليزية سوى أساسياتها، لم تكن أسماء الطعام من قائمة مفرداتي، تعرفت على أسماء أنواع القهوة الإيطالية بعد انقضاء عام من مدة دراستي الدكتوراه في إنجلترا، حين احتاجَ الأرق والدروب إلى صحوة أتعكّز بها للطريق، وقفت عند كشك قهوة، وكان قد غلبني النعاس، فأشرت للبائع بيدي أني أريد قهوة تُبقي عينيّ مفتوحتين، فقال كلمة لم أكن -إذ ذاك- أتبينها: إسبرسو؟ فسألته إن كان هذا أفضل ما عنده، فأجاب أن بوسعه أن يضاعف الجرعة، سألته بإشارة بيدي إن كان يمكن أن يجعلها ثلاثاً، فابتسم وهو يرى وجهي الناعس: لا، ستكفيك اثنتان.
وأذكر أن والديّ ارتاعا من تيقّظي ونشاطي حين شربتها، وقد ذكّر ذلك أبي بتحريم الفقهاء (القهوة)، يسمون باسمها الخمر! وكانت أمي قُبيل سفرها توصيني -فيما توصيني- ألا أعود لما شربت ذلك اليوم. ومازلنا نتندّر بنشوة (الكوب الأول) حتى اليوم، وقد زال كثير من ذاك الأثر بسبب الاعتياد.
غير أني لا أكاد أحفظ من أسماء الخضروات بالإنجليزية سوى الطماطم والخيار والجزر، تسبقني أمي في معرفتها، حتى أن صديقتي أسماء قد سألتني يوماً: “جيبي زنجبيل أخضر من السوبرماركت وأنتِ جاية”، فوقفت على الرف أُدير بصري في الألوان أبحث عن زنجبيل (أخضر)، وقد تعطّلت في عقلي آلة المجاز بُرهةً، لا لأني لا أعرفه، ولكن لأجل أن عقلك يحاول أن يقتصد فيما يبذل فيه تفكيره، وثلثٌ طاقة عقلك للنظر في الدفاتر، ونصفٌها للهمّ، وما يبقى مناصفةً بين مُشرف البحث وتدابير الحياة اليومية، فتؤثر أن تُسيّرها بطريقة آليه -ما استطعتَ- لكيلا تصرف فيها فكرك!
خرجت من الامتحان وأنا أعدّ ألفاظ الطعام التي لم أحسن ترجمتها، وفي ظني أن حسن ترجمة العبارة ستشفع لي اختلال الأسماء، أُعلِن أن النتائج ستذاع بعد نحو شهرين ونصف. كان موعد بث النتائج الجمعة، فكانت خطتي أن أخرج إلى الشاليه من العاشرة صباحاً حتى أتشاغل عن الانتظار، غير أن الشاليه يعاني ضعف النت على نحو لا يضمن وصول النتيجة على البريد الإلكتروني، فتلك -إذاً- آلية هَرب، ,ولكنهم لم يخرجوا إلى الشاليه ذلك اليوم، فأتت النتيجة ظهراً: F، في اختبار تعلن مؤسسته -مسبقاً- أن نسبة الناجحين فيه تبلغ 40% من مجموع المتقدمين.
سجلت -في نيةٍ للإعادة- لاختبار تجريبي يحاكي بيئة الامتحان وظروفه، وإذا بالمقال (العام) -المطلوبة ترجمته عن ارتفاع معدلات الفائدة وأثره على البنوك وصغار المستثمرين. لم أشعر أن الوقت دهمني: ساعتان للترجمة، بما يقرب من عشرين دقيقة لكل فقرة، وساعة للمراجعة والتحرير. غير أني وقُبيل مرور نصف الوقت قررتُ أن أنصرف عن الفكرة أو أستسلم!
لِم عليّ أن أترجم نصاً (عاماً) يتناول خطاب رئيس منظمة فيدرالية عن ارتفاع أسعار الفائدة؟!
أم إنها صَنعة ، أن تؤدى اختبارات لتًعاد، لا أدري.
رفّ:
ترجمتُ، أول ما ترجمت، أيام كورونا، أضع اللابتوب في حجري، في البيت أو الشاليه، في سكون الدار، أو بين ضجيج الصغار، أتشاغل بصياغة لغة نص لم أصطنع فكرته، وكان عملاً ممتعاً، كأنه حرفةٌ تعتني بها يداك، وناظراك، على غير قلق الإنشاء ورَهق الابتداء!
كانت أختاي تغزلان وتعجنان، وكنت أترجم وأحرر! وكنت أؤخر نشر النصوص حتى أشعر أني أحكمتُها، وقد أسأل بعض زملائي عن ضبط بعض المصطلحات ذات الصلة بالثقافة والتراث، وكانت إحدى الصديقات، وزوجها مترجم متقن، إذا دفعتُ إليها بالنسخة الأخيرة من الترجمة: “لـ بو فلان، يراجعها” قالت: “أنتِ موسوسة”! وكانت بعض المجلات قد طلبت أن تنشر بعض المقالات المترجمة عنايةً بموضوعها، غير أني أردت (شهادةً) تتحايد ثناء الرفاق! وأضمها إلى قائمة (إنجازاتي)، وأعْبر بها جسر الهواية إلى (الاحتراف).
وقد استهواني قدرٌ كبير من تجارب الترجمة هذه، ثم رأيت أن النظر في نصوص غيرك، تحريراً أو ترجمةً، أيسر من النظر في عملك، لأن “عقل المنشئ مشغول، وعقل المتصفح فارغ” -كما قال الجاحظ-، ولأن عين القارئ أجرأ على مواضع الخلل من المنشئ. وصرتُ أُحرر على الطاولات التي أكون فيها منفردة، أقطع طريقاً أو أُشغل انتظاراً، وصارت لي صلة مع الكلمات أزيّنها ما استطعتُ أو ما فُتح لي في ذلك، حتى أني إن طويتُ نصاً في النهار، طافت به التعديلات عليه خواطر في العَشِي، على سِنةً أو في يقظة! -على غير انشغال بها.
وقلّ أن تكون لك تجربة في المعرفة إلا ويُفتح لك بها أبواب، أو نوافذ وجسور، ولا يُسدّ باب إلا ويفتح باب، هو أليق بطبعك وأجدى لدربك، لكن، مهلاً، ليست قيمتك ما تحسنه! قيمتك هو ما تَكونه، وما تكون عليه على إثر المعرفة المتحصلة فيك بعد مرورك بالتجارب ومرور التجارب عليك، في فكرك وروحك وشعورك.
مأوى:
قال أبي وصديقتي: “لا تنشرينها إلا لما أشوفها أوّل”، عزّ عليهما أني أبوح بهذه التجربة، فضحكتُ مُتبسِّمة.
تدوينتنا القادمة:
ربما أكتب يوماً عن ريم، تضع على باب غرفتها ورقة تكتب عليها:
No Boys Allowed
والغرفة غرفتها وغرفة أخيها، فيقول جدها: “ابنتنا مؤدبة”، وتقول أمها: “ابنتي مشروعُ نسوية” ..
عن البِنى التي تمنحك استحقاقاتك.
عودوا يا رفاق ..



7 من التعليقات
وفاء
فتح الله عليك د. حصة
أحب مشاركتك لنا هذه المواقف الدراسية اللطيفة
وأحسب أن الله وهبك أسلوب خفيف الظل ولغة سلسة رغم اختيارك تخصص الترجمة !
أسأل الله لك التوفيق🌷
حصة
ماذا يحدث إن رسبت في امتحان؟
لا يحدث شيء :)
سلمتِ وفاء
غير معروف
طبعا منعيد
ان الله مع الصابرين🌷
حصة
إنه لَنزعُ الشام: دأبٌ ومصابرة.
محمد طارق الموصللي
حِرت بما أقول؛ هل أُثني على أسلوبك القصصي؟ أم على شجاعتكِ بمشاركة هذه التجربة؟ أم على رباطة جأشك حين تلقيتِ خبر “الإعادة”؟
وما أراكِ إلا ذات شأن عظيم 🤩
حصة
الله يجبر بخاطرك :)
حصة
إحدى البنات خائفة تترقب نتيجة اختبار، لها أثر في مُقامها حيث تقيم، وهي مغتربة وحدها، قد قرأت التدوينة فهان عليها ما خافت منه.
وأنا يكفيني من (رساليّة) التدوينة هذا الأثر! :)