في مثل هذا التاريخ تقريباً، دخلت (إكستر) أول مرة، في عَشيّة يبللها مطرٌ ناعم. ثم زرتها -في نفس التاريخ الذي قَدِمت إليها فيه- بعد سبع سنوات من التخرج. شعرتُ وأنا أمشي في طُرُقها بتقلص في معدتي، يشبه شعورك حين تقابل فجأة عزيزاً لم تُخْبره بمكانته في قلبك.
كتبتُ هذا النص في دفتر ملاحظاتي، على مقعد القطار، وسيدة انجليزية تجلس قُبالتي (على مقاعد متقابلة)، تنظر إليّ وأنا أكتب ثم أرفع رأسي ساهمةً أمدّ نظرتي إلى الأفق ثم أعود إلى شاشة الهاتف. ظنّتْ هي لحظةً أني أحملق فيها (وكانت تلبس كمامة) فاتسعت حدقتا عينيها الزرقاوين، فانتبهتُ لاتساعهما، فسألتني: “أنتِ أكاديمية؟”، قلت: “نعم، لِم؟”، قالت: “عقلك مشغول ومزدحم”!
الأشياء اللي كنت تعتقد أن “حركة العالم تقف على حافتها”، صارت وراءك، والأيام اللي استعجلت شطبها في مربعات الرزنامة: يوم امتحان، ويوم تسليم، ونتيجة تقرير، وموعد علاج، حُسِبت من عمرك. والعشرين التي غرّتك؛ أننا لا نكبر وإن مرّ عَقْدٌ من الزمان، تراخت عن وعدها .. والأيام إذ عَجَنتك أقامت ظهرك.
و”سباقات” التحصيل فواتٌ للزمن، فامش الهوينا فكل ما قُدّر آت، فلعل ربي حين يقسم النجاحات، تأتي على قَدْرِ (التعثّر) في القِسَم (بمعنى أنك قد تُرزق -بلطف الله- من النجاحات أو الإنجاز ما يعادل نصيبك من التعثّر أو الصعوبات).
ويبقى درس الحياة وموعظة السُنن:
ما مضى فات، والمؤمّل غيبٌ
ولك الساعة التي أنت فيها
ويبقى العمر منّة الله العظمى – إذا أعطاك تجارب عَبَرتها -على ثقلها- بخفة خلوك من المشاغل -إلا ما كتب لك من الانشغال بنصيبك من التجارب- ثم إذا عَبرت الطريق والتفتت، وجدت في الأرض -حقيقة ومجازاً- طريقاً يَذْكرك ويُذَكِّرك، بقعةً تحنّ إليك وتحنّ لها.
جبل يحبّنا ونحبه
أرض التجربة والغبار، أرض الهزائم والظفر!
في حفل التخرج -الذي رافقتني فيه عمتي- أوصلني من الفندق إلى الجامعة سائق تاكسي -صَدف أنه مسلم من أفريقيا- قال بودّ صادق: أتمنى ابنتي حين تكبر أن أراها حاصلة على أعلى الدرجات العلمية محجبةً بِروب التخرج. كان متحمساً للفكرة، وحاول أن يعبّر عن اعتناقه لها بعربية مفرداتها محدودة.
وقبل الحفل أتتني فتاة لا أعرفها، ولم أقابلها من قبل سورية محجبة، قالت: “عادي أحضنك وأهنيك، وأقول أني فخورة بك؟”
يَعرفك الغرباءُ وهم لا يعرفونك! بمعنى أن الناس تلتقيك بالطريق فتعرفك، عن غير معرفة سابقة!
ثم أحببت كل ما أردت، وكل ما أريدَ لي. وأحببت الطرق التي اغبّرت فيها قدماي وصلتُ أو لَمْ أَصِل. أحببت هتاف الطريق، حماسه المبعثر، الذي يعبّر عن شتاتك أكثر مما يُعبّر عن همّتك.
أحببت فجر الامتحان، أستفتحه بركعتي الفجر والقهوة السوداء، وقولة أبي في الغداة: نامي الحين ودرسي الفجر.
أحببت امتحانات أقمت الليل من أجلها ولم أجتزها (بعدُ).
وقولة شيخي -التي يضيق صدري منها وأتبرم في نفسي- إذا ما انشغلت في مشاريع تمثّل شغفاً، عن المسار المهني: “أنتِ عاملة زي اللي بيصلي سنة الظهر عشرين ركعة، ولم يؤدِ الفرض!”
ثم رأيت أنك تُهيَّأ، وتُهيّأ لك مسارات تليق بطبعك، قد يُثمر بعضها في نفسك يؤتيها رحابة، أو في عقلك؛ يُفتح لك به باب فهم، أو في وعيك؛ تتعلم منها طبائع الأشياء وسنن الحياة.
ولا أقول أني ملكتُ هذا، ولكني أقول أنه قد يُفتح لك باب منه، تُرزق منه أو لا تُرزق.
كانت أمي حصة -رحمها الله- تقول: “البنت ما تودّعها صديج، ولا تضرّبها طريج”.
أي أن البنت لا تُستودع صديقاً [أي: مؤتمناً]، ولا تقطع بها طريقاً”، مبالغة في صونها. قد أعطتنا الغربة ما أعطتنا من أرزاق يا جدّة، ولكن لنصيحتك وجهاً من الرحمة والصون والدلال!
وأذكر أستاذاً عراقياً عام التفرغ سألني إن كنت أتطلب مكتباً في الجامعة، فقلت له أني أَحبّ إليّ أن أدرس في البيت، قال: “هكذا بنات الأصول”!
فابتسمت في نفسي، للمفارقة، كيف يأخذنا (السفر) إلى معنى السفور؛ الانكشاف، والمكابدة، ثم تؤول بنا الزوايا أو الطبع إلى معنى الاحتجاب[1].
محطة الباص الذي يأخذني إلى الجامعة كانت مقابل البنك، وكنت أتهجى HSBC :
H حصة – S السنان – B بتروح – C الكولج
![]()
رفّ:
أشعر أن عليّ أكتب دليلاً عملياً في مكابدة رحلة التعلم.
وأنت، كيف كانت رحلتك؟
زاوية:
في المعجم: “والسفر : الأثر يبقى على جلد الإنسان وغيره، وجمعه سفور.
السفر: الندبة إذاً؟
هامش:
[1] ثم بدا لي أن (الصون) مفهوم ثقافي -من تجلياته: المكان-. فيه (أي: في مفهوم الصون) معنيان: معنى (السَتر) وهو لازمُ الحماية، ومعنى (القَدْر) وهو: الاحترام. وأذكر أني قرأت شيئاً من هذا المعنى، ومنه: أن قيمة السَتر متعلقة بقيمة الاحترام للمرأة، وعن علاقة ذلك بتصميم البيوت في المجتمعات الإسلامية.
وليس عجيباً أن حضارةً لا تشارك هذه المعاني أن ترى القَصر في الخيام: (حُورٌ مقصورات في الخيام) على أنه حَبْسٌ محض!
النص الأخير:
بقي في دفتر ملاحظاتي مسودة النص الأخير، وقد كان (عن الأبوة)، وكنت قد كتبت فيه:
مِثل هذا تُرى الأبوة، لها ذاتُ القداسة [كما الأمومة]، لكنها قداسة متعالية، موجودة ولكنها لا تُلاحظ ولا تُرى، مثل سقف مَعْبَدً مرتفع، يظللك، ولكنك لا تتطاول إليه، وقد تنشغل عنه بتأملك صورة العذراء تحضن طفلها، ولكنه دار الإيمان والوقاية.


6 من التعليقات
هدى العصفور
ما شاء الله زادك الله علما ورفعة وتواضعا ومحبة أستاذة حصة لك مني أعظم التحايا وأجل التبريكات
حصة
ولك مثله، يا هدى
غير معروف
نص رقيق وجميل
حصة
شكراً :)
Muna R
جميل جميل ( فقرة الدكتور العراقي أسرتني 🤍) سلم الله لحصة القلم .. ولا أرانا فيها الحزن والندم 🤲🏻
حصة
قال الدكتور هذا، في مجتمع كان يجرّد حجاب رأسي من دلالته.
في تلك المدينة كانت بائعة الحلوى حين تُشير إلى رفّ تنبهني أن هذه الحلوى مخلوطة بنوع من الخمر، تستدرك على نفسها، وهي تنظر إلي،: المعذرة، لا أريد أن أفترض!
(تقول -وهي ترى الحجاب على رأسي- أنها لا تريد أن تفترض أني مسلمة، أو أني أريد أن أتجنب الكحول)!
أحببت أن هذا السطر أعجبك منى، يُعجبني التفات القراء إلى أحاديث الزوايا :)