كنت أبحث عن ورقة في جيوب حقيبة اللابتوب، فوجدتُ (بطاقة عمل) عليها صورة أمين مكتبة جامعة إكستر، المختص بقسم الكتب العربية والإسلامية، ووجدت ورقة -في أحد الجيوب- من مستوصف الجامعة- فيها إرشادات صحية عن (متلازمة القولون العصبي)، ولم أجد الورقة التي كنتُ أبحث عنها!
أمين المكتبة هذا، واسمه (أَفضَل)، بريطاني آسيوي، ملحد من عائلة مسلمة، التقيته مرة في الباص الذي يأخذنا إلى الجامعة وأذكر أنه دار بيننا حوار سريع، عن معنى لفظ (الحجاب) وجذره في اللغة، ثم عن لفظ الحديث النبوي الشريف: “عَوانٍ عندكم”.
وأذكُر أنه قال: Bad News! أن “النساء عَوانٍ” ..
ولا أَذكر أني حاورته، لا تستهويني حوارات على هذه الشاكلة، كما أني لاحظت أن معرفته باللغة فيها سطحية ظاهرةٌ، ونحن على متن حافلة، لا تلبث أن تُنزِلنا محطاتنا.
واللفظ النبوي هذا من وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالنساء في خطبة الوداع:
ألا واستَوصوا بالنِّساءِ خيرًا ، فإنَّما هُنَّ عوانٍ عندَكم …
والتدوينة هذه تحاول أن تتناول بالفحص والنظر معاني لفظ: (عَوانٍ):
إذا نظرت في مادة اللفظ في المعجم[1] وجدت أن العاني: الأسير، والعاني: المَعنّي بالأمر، والعاني: الخاضع والطائع والمستكين، والعاني: القاصد.
واللفظ فيه من لوازم الأَسر ومتعلقاته: طول الإقامة في الحبس “يُقَالُ عَنَى فِيهِمْ فلانٌ أَسيراً أَي أَقامَ فِيهِمْ عَلَى إِسارِه واحْتَبسَ”.
وفيه من لوازم الاستكانة والخضوع: الطاعة والتسليم، غير أنه لا يَلزم أن يكون قَهراً وغَلَبة: “عَنا يعنو عَنوةً فيهما إذا أخذ الشيء صُلحاً بإكرام ورفق. والعَنوة أيضاً: المودة … ويكون عن تسليم وطاعة ممن يؤخذ منه الشيء …”. فليس من لوازم الأخذ أن يكون قهراً، وإن كان من معانيه الغلبة والقهر كذلك، غير أن تلك من محتملات اللفظ، وليست لازماً من لوازمه.
وفيه من لوازم العناية ومتعلقاتها: تجشُّم الأمر، وما يكون معه من تكاليف الاهتمام[2] من انشغال ونَصَبٍ ومشقة.
والمعاناة، كذلك،: المداراة، والمقاساة، والمعاناة: حسن السياسة، ومن لوازمهما القيام على الأمر، والتحمّل والصبر.
ومعاناة الشيء: ملابسته ومباشرته، وذلك من متعلقات تمام الوصل بين الزوجين.
وعنت الأرض بالنبات … أظهرته وأخرجته، ومن لوازم الإثمار: الاحتواء على طول مُكث.
فإذا نظرت إلى متعلقات تلك المعاني وجدتَ فيها من التراضي، وطول المكث والمُقام، والتعاهد والاهتمام، والقيام على الأمر، وفيها من معنى الوصل، ومعنى الوِثاق.
وإذا نظرت إلى معنى (الأُسرة) الذي هو: “عشيرة الرجل وأهل بيته”، وجدتَ أن لفظها مأخوذ كذلك من “الأسر: الشّد والعَصب”، “لأَنه يَتَقَوَّى بِهِمْ”. فاللفظ مُعبّر عن معنى الوِثاق، والوِثاق قيد -لو تأملتَ-، يَشُدّ إليك ويَشُّدك إلى غيرك[3]
وغِلظة الميثاق -باللفظ القرآني- معبِّرة عن معنى: قوّة الرباط وعَظَمته، لأجل “ما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج[4]، ولأجل معنى الإحسان فيه على حِالَي الإمساك والإفلات، فالميثاق -بالمعنى القرآني- مُعبّر حقّ على الرجال من النساء، معقود على حُسن الإمساك، لا على محض الإمساك، وغلظة الميثاق منوطة بالإحسان فيه على الحالَين: “إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”[5].
و(الميثاق الغليظ) معقود كذلك على نية الاستدامة مع حسن المعاملة، قال ابن عاشور: “والميثاق الغليظ: عقدة النكاح، على نيّة إخلاص النيّة ودوام الألفة، والمعنى أنّكم كنتم على حال مودة وموالاة، فهي في المعنى كالميثاق على حسن المعاملة”.
فهل رأيت أن معنى الوثاق والأسرة متعلقٌ في غير لفظٍ (أي: في أكثر من لفظ) برابطة فيها التزام يُشَدُّ إليه الطرفين، وفي الحالين (الإمساك والتفريق)- على نية الاستدامة، مع حُسن التَعهُّد وطول القيام.
وهل رأيت من المعاني ما هو مُتعَلِقٌ بالنساء وحدهن؟ لا؛ وإنما هو دورٌ يؤدَّى، فيه مِن حق النساء على الرجال: حُسن القيام مع الوصل أو حُسن التسريح مع الفراق، كما في نَص القرآن ونَصِ الوصية النبوية.
فإذا علِمتَ هذا، وعلمتَ -أيضاً- بالمعنى النفسي: أن كل ما تريده بشدة وترجو حصوله يأسرك، كما قالت العرب: “اليأس إحدى الراحتين”، لأن كل ما ترجوه يجعلك معلّقاً برجاء حصوله فهو كالقيد، وأنت منعتق من كل ما لا ترجوه ولا تأمله. وفي ذلك قال ابن عطاء الله في الحِكَم: “أنت حُرٌّ مما أنت له آيس، وعبدٌ لِما أنت له طامع”.
وإذا عَرِفتَ أيضاً أنها إذ أقامت بيتاً وأنشأتْ أُسرة كان لها رجاءٌ معلّق بديمومة هذه الرابطة، وإنما تدوم الأسرة -على أكمل أحوالها- إذا نجحت العلاقة الزوجية، وأنها كذلك -مع هذا الرجاء- تخاف من تغيّر الأحوال في قابِل الأيام، وعلمتَ -مع عِلمك هذا- أن مكانة أسرتها منعقدة في وجدانها، ومؤثر في نظرتها لنفسها، ولا أدري إن كان يصح لي أن أقول أن صلة المرأة بأسرتها ومعناها عندها -على المستوى النفسي، فيما يبدو- أوثق من صلة الرجل ببيته، ولكني قلتُ مرّة أنه في أحد فصول برنامج علم نفس وردت إحصائية تقول إن السبب الأول للصعوبات النفسية عند النساء في إنجلترا -حسب تلك العينة- كان: وجود مشكلات في العلاقات، بينما كان السبب الأول عند الرجال -في تلك العينة- مرتبط بوجود اختلال في مكانته (الاجتماعية أو المهنية – بطبيعة الحال).
فإذا عَلِمت أن مراداتها تلك في تلك المكانة (والأهمية) في بنائها النفسي، وعِلِمت أن استدامة العلاقات إنما تكون بالتحمّل والتجمّل، وعَلِمت أن هذا كله “في حماية ضميرك” -بتعبير الرافعي-[6]، وفي ضمانة مروءتك، فهِمتَ وصية النبي.
حاشية:
الزواج عقد والأسرة رابطة، وقد عُبَّر عن هذا الارتباط بألفاظ عدّة، كلّها -لو نظرت- فيها معنى الوِثاق والأسر. [7]
أما لفظ “عندكم”، فالعرب تقول: “عند فلان” أي: زوجته، وفي اللفظ دلالة مكانية على المسكن، الذي يكفله الرجل.
مَلمح:
ألاحظ أن النص الديني دائماً ما يقترح: “إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات” – الآية.
في تدوينة سابقة عن معنى (الغافلات)، وجدتُ الغفلة وصفاً للمؤمنين كذلك، بمعنى: الغفلة عن السوء.
هوامش:
[1] لسان العرب.
[2] “وتَعَنَّى العَناء: تجَشَّمَه”.
[3] أذكر عبارة في مسلسل أجنبي -يخاطب بها الأب ابنه:
.We are family, son, we stuck together
هل تَذكرون هذا الفيديو [1:39]؟

[4] الزمخشري.
[5] وهو قول الضحاك، والسدي، والحسن، وابن سيرين، وقتادة”. الماوردي.
[6] الرافعي في (رسائل الأحزان): “… إن كنت رجلًا كريم النفس، وإذا هي استسلمت بكلماتها إليك ولكن في حماية ضميرك، تُسمعك صوت ضعفها ملتجئا إلى قوتك وكأنها تقول لك: إن نصف كلامي هو هذا، والنصف الآخر هو ثقتي بشرفك”.
[7] يدرس إيزوتسو، وهو مستشرق ياباني متقن لثلاثين لغة- المفاهيم الإسلامية دراسة بنيوية، أي: بوصفها كلاً مكتملاً، فيدرس ألفاظ الحقل الدلالي المتعلقة بمفهوم معين، لبناء تصوُّرٍ سليم عن هذا المفهوم في رؤية تلك الثقافة).
– مَلمح آخر: أن النفقة الواجبة على الرجل، بما فيها المهر من شأنها أن تجعل لهذا العقد كُلفة مُلزِمة، فلا يكون إنشاؤه هذه الرابطة أو انفكاكه منها بلا كُلفة – والكلفة معنى يتجاوز الثمن المادي لو تأملت.
أذكر أني قرأت شيئاً من هذا المعنى عند مُغرَّدة -اسمها لام- نشرت نصاً مقتبساً بالإنجليزية وعلّقت عليه.
تلويحة:
لم أنس ما قلتُ أني سأكتبه من موضوعات المقالات .. سأفعل إن شاء الله :)



5 من التعليقات
تسنيم
أعجبني الإستشهاد؛ قالت العرب: “اليأس إحدى الراحتين”
الراحة بالتخلي، ولعل الراحة للمرأة حينما تتخلى عن أدوار فرضت عليها فحسبتها واجبة!
غير معروف
جمييييل 🥹
حصة
كنت أشرح لوالديّ -حفظهما الله- فكرة المقال: “الموضوع كلّه تربّط بتربّط”؛ بمعنى أن ألفاظ المجال الدلالي (للأسرة) كلها تدور في معنى الوثاق: (عقد) و(ميثاق) و(ارتباط) و(رابطة) ..
أشعر أني حكواتية لسانية -أو أوشك أن أكون ..
أناملها مخضّبة بحنّاء، تصبّ الشاي في أكواب مذهّبة، تسأل جلاسها عن أحوالهم، وتحكي النظريات قصصاً!