Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

ملاحظاتٌ في قِيَم إصلاح البيوت

(1)

أذكر أني شاهدت مقطعاً -في حلقة مطولة لمحمد حجاب مع دانيال حقيقتجو (وهو مختص في الفلسفة والفيزياء، دارس للشريعة، مشتغل بالمحاججات والفكر) يقول -في سياقٍ استعرض فيه ما يواجه الأسرة المسلمة في الغرب من نظم وتحديات، فيذكر حالات تشير إلى أن المرأة يَحكم لها النظامُ ظالمةً أو مظلومة، على غير تَبيّن، مما أدّي -في كثير من الأحوال- إلى هدم أُسرة أو تهديدها بتبعات قانونية واجتماعية كبيرة – أذكر، أن حقيقتجو في معرِض حديثه عن الصعوبات والتحديات، قال ما معناه أن عمل المرأة -من حيث أنه يحقق لها استقلالاً مالياً- هو من أكثر العوامل المساعدة على الطلاق؛ أو أنه قال أن عمل المرأة واستقلالها المالي مؤد زيادة الاستحقاق مما يعسّر مهمة من يريد أن تكون له زوجة، وعلى هذا، قال إن النساء [في هذا العصر والزمن وفي بلاد غربة] يجب أن لا يشجعن على العمل، فلا تدفع الأسرة ابنتها للوظيفة أو مقدماتها، حتى إذا ما تزوجت البنت اعتمدت على الزوج، وهذا أجدر أن تكون له منة عليها مُشعرة إياها بفضله، وذلك أدعى لاستقرار الزواج.

حاجج حقيقتجو في الحلقة نفسها إلى الحاجة إلى إنشاء وصمة عار للطلاق أو للمطلقات قال، لأن النساء شديدات الحساسية تجاه الوصمة الاجتماعية بطبعهن، وذلك سيدفع لخفض دوافع الطلاق عندهن، وبالتالي تقليله.[1].

أقول: كما لو لم يكن في رباط الأسرة من دواع تُدفع بها الإرادات إلى التمسك بعُرَى الميثاق الغليظ سوى نوع من الاحتياج المالي المرتبط بالنفقة والدار.

وكأنّ  ما انعقدت عليه النفوس من حاجات: السكن، والتباذل، والنسل، والرعاية، إقامة الحياة، معدوما أو مغيباً حتى يُقتصر من الحاجات المؤثرة في الحفاظ على الأسرة على: محض الاحتياج إلى النفقة.

وكأنْ لم يكن في التاريخ الماضي والقريب شواهدُ على أن يَسار المرأة واغتناءها السابق لحصول الزواج -في أحيان كثيرة-  يتحقق به نوع من السعة تسهم في استقرار الزواج، لا من جهة الإنفاق بالضرورة، ولكن من جهة حصول نوع من الاكتفاء؛ تنصرف به الإرادات إلى غير الكسب من المعاني التي تقوم بها الأسرة؛ حتى عَرف أهلُنا -في زمن القِلة قبل أن تنفتق الصحراء عن النفط- قولةً تُدول بينهم: “خذ مدللة ولا تأخذ معللة”، لأنها -في عُرفِهم وتجربتهم- إذا عايشت قدراً من الاكتفاء، أورثها ذلك نوعاً من التغاني عن بعض الحاجات، مما يتوجه معه حرصها على ما ينطوي عليه رباط الأسرة من معنى.

وكأنْ لم يكن في من الآباء من يقول إذا طُلّقت ابنته فرُدّت إليه -أيام القلة، قبل زمن الوظائف والشهادات-: “ربيتها صغيرة ماني عجزان عنها يوم كبرت [فلست بعاجز عنها إذ كبرت واستوت]”، حتى إن بعض البيئات -لأجل ذلك- لا يُعرف فيها اشتراط مؤخرٍ للصَداق، تستبطن في هذا: أن الإمساك بالمعروف لا يُتوصَّل إليه بكلفة مالية، وأن المفارِق لا تُتراجَع إلى بيته بمحض كلفة المال[2] لأن الأسرة لا تقام بهذا النوع  من اللوازم والالتزامات وحده.

وكأنْ لم تُسجّل في مقاييس الرصد المحلية -في غير بلد- أن من أكثر تحديات الأسرة اليوم: الكُلفة المادية للمعيشة.

نعم، عمل المرأة يؤثر في بنى العلاقات، وتَشكّل المسؤوليات والأدوار داخل الأسرة، لكن يد الكسب قد صارت مظهراً يُعرَف به الإنسان -ويَعرف نفسه- في عالم حديث قضّ بِنى العلاقات والنُظم ليعيد بنيانها على غير ما كانت عليه فيما مضى من التاريخ، فأعاد بذلك تشكيل علاقة المرء بنفسه، دعكَ من محيطه ومجتمعه والعالم-  بآلة الكسب.

وكأنْ الأسرة -لا سيما في الغربة- في أمان من تصرف الأحوال أو نكبات الحياة، فلا يُخشى فقدٌ أو فراق أو اضطرار يورث معه احتياجاً في عالم حديث لا يرحم، حتى يقال إن الوظيفة -بما هي آلة كسب- تُشكّل تهديداً للأسرة أو يُوشَك أن تُرخي عقدتها.

(2)

كنت أسمع في بعض المجالس عن فُشّو المنكر، غير أني لم أتصور هذا الحال، حتى طلع لنا حوار في مقابلة بودكاست مع مرشد مستشار عن “فهمنا للصحة النفسية”، وعن “الموازنة” في “العلاقات وأدوار الحياة”، وكلام كثير ، فيه عن الأسرة، وعن “دائرة الفضل” و”ودائرة الحقوق” فيها، وعن “التكامل في أخذ الدين”، بكلمات وُصفت بأنها “عميقة”.

وفي معرض الحديث عن ما يواجه الأسرة من تحديات، وصفت من تقرر أن تترك “زوجها كله”، “الخلوق” المحب لها “المحترم”، “الكريم” المحب لعياله، لأجل أنها “اكتشفت أنه عنده علاقة مع وحدة؟”، “يخونني”، وُصف فِعلها : “هذا غباء”.

وعندي على هذا ملاحظات:

  • هل شاع من المنكر[3] حتى صار من عموم بلواه ما يجعل المرشد أو المستشار أو المختص يتأوله أو كأنه يخفف بلواه – لا أن يُغلّظه لاتصاله بالأسرة والأعراض- ولو على المستوى النظري[4]!

وهل صار على المُصلحُ -أو من يتولى الرأي والمشورة ويبثها للناس-  أن يجعل (مهمة إنقاذ الأسرة) مبنية على ما يتحقق في البيت من أدوار وظيفية أو (حلول عملية)؛ فتقوم (إستراتيجية الصلح) على التفاوض على منافع أو مكتسبات مادية بطبعها، ويأخذ الإصلاحُ عُدّةَ أدواته من زيادة مكتسبات الزوجة المهنية والوظيفة[5].

هل غابت أو تراخت تسمية الآثام باسمها، أو أحال التنازع على الحقوق إلى معنى مشاحّةٍ أرضيّ دنيويّ يقاس ويشترى، ثم هل تخفى هذه الإستراتيجية، على رجلٍ مذنبٍ قد يعرف سلفاً ما صار يذاع ويُتندّر به -من رقة الدين وفشو المنكر والاستعاضة عن الحلول الأصيلة-: أن عطايا الزوج وهداياه تكافئ (أي تقابل قيمةً) شناعة فعله![6]

  • وُصف الزوج الذي يُسند إليه فعل الخيانة -في العبارة نفسها- بأنه “خلوق”، “محترم” -وإن كان ذلك الوصف على الحكاية [أي على نقلاً عن الزوجة الشاكية، يُروى عنها بنبرة فيها تأكيد وإكبار]، فهل صار حُسن الخُلق وصفاً منفكاً عن رعونات النفس[7]، وكأنْ ليس في حال الإثم ما يخرم رداء الخُلق ساعة الوقوع في الإثم، ثم يكون من آثاره -بعد ساعة الإثم تلك، إن كانت ساعةً- ما يحيك في البيوت فيدير فيها من الشك والخوف ما يجرح طمأنينتها، في تصوّر -يبدو لي أنه تصوّر- صُوري وظيفيّ للأخلاق، يصل الأخلاق بالأدوار الوظيفية، أو الأدوار الاجتماعية الظاهرة (التي يقال أن الزوج يقوم بها) ، على نحو تنسلّ معه -أو تؤجّل- من موعظة الواعظ، وحُكْم الحَكم ما كان يُعتبر في ثقافة المجتمع من معايير العدالة والكفاءة.
  • هل صارت الخطيئة التي يخفيها الزوج المذنب -إلى الزواياً- معلَنة في عبارة تشخيصية لرأي نفسي أو ديني، يقول على رؤوس الأشهاد، أن مفارقة زوجٍ -يوصَف بحسن الخُلق- :”غباء”: حماقة وقلة عقل – وتعدّ من محاسنه: أنه قد أقام بيتاً، وله ذرية، وأم يبرّها، وكرم إنفاق، في سردية تكاد تكفّر عن الذنوب المتعلقة بالحقوق النفسية والأعراض، لا بالتقى ولا بالتوبة، ولكن بما يتحصل للبيوت من منافع ونفقات، فهل سينشأ جيل يَعتبر من النفقة على البيت -إن هو أنفق- مكفّراً عن رعونات النفس خارج البيت؟ وما أثر ذلك على المجتمع، وعلى المرأة التي تُخان ثم تُلام على التفريط فيمن خان؟!
  • يُسائِل المختص المرشد معايير الشاكية أو مراداتها ، بعبارة تُطلِق حُكماً أو تعميماً -على قرار شخصي-يستبطن في إطلاقه: امتلاك الحكمة والصواب. هذا -من جهة- ينتهك قواعد الإرشاد النفسي، كما أنه يغفل أموراً لها وزن معتبر بمعيار الشرع، و في مرادات النفوس الذي ينعقد بها الإصلاح.

فإن قائل: تلك نصيحة تراعي ظرف شاكية بعينها؛ فما الذي جاء بهذه الحالة إلى طاولة البودكاست ومذياعه؟ وهل يصح للمعالج -ولو في العيادة- أن يقطع برأيه ليصف بالغباء من يتخذ موقفاً غيره؟

هل صارت حلول التجوّز والاضطرار تُذاع ويحاجّ عنها  حتى تُنصب معايير على رؤوس الأشهاد؟ 

  • مسألة أخرى تتعلق بالذائقة: يحيل الموقف إلى سلوك يصدر من مسلم مُحصن له أبناء، فتوصف ممارساته بألفاظ “خيانة”، “جات [محادثات تطبيقات دردشة]”، “صور”، مهلاً، ألا يرى أحد أن في حكاية مثل هذه الممارسات بهذه التعبيرات على هذا النحو ما يجرح ذائقةً سويةً، أ ليسَ في ذلك إذاعةٌ لسوءٍ مكانُهُ الزوايا؟ هل صار (أي: انتقل) الباطل الذي يُمات ذكره: إلى طاولة التفاوض رأياً يجادَل عليه، في فضاءات يشهدها التقي والحيي والسفيه والرديء؟ ألا يؤدي الإفشاء والتفاوض إلى تطبيع للمنكر في إن في التصورات وإن في الذائقة.

وقد كان في جيل آبائنا -حفظهم الله- من إذا رآى مشهداً تمثيلياً يبث في تلفاز صالة بيته- يتلاسن فيه زوجان يتطاولان بالكلام، يطفئ الشاشة عن أسرته، وقد كانت الرذائل -زمناً- إن ذُكرت فلا تُتداول في حضرة عائلة، حتى لَيُحجب في صالة العائلة صوت شيخ يُستفتى في منكرٍ أو فاحشة، دعكَ من صوتٍ يتأول اعتبارها؛ بنبرة وثوقية[8].

(3)

لسنا ننقد على امرأة أرات أن تحفظ زواجها أو تُبقيه  على حصول نوعٍ من “خيانة” أو “زلة” أو “خطأ” أو “خطيئة”، لا نستكثر عليها، ولا ننازعها مُرادتها، ولا نقول إنها رضيت بالأدنى عن الذي هو خير، ففي الفضل بين الزوجين ما يرأب صدع الرعونات، وباب التوبة مفتوح لم يزل، وكم ضَنّ الزوجان أو أحدهما على البنيان أن ينقض، واستعاذا بالله من ذلك، وللبيوت شؤون وأحوال تُحَكم لأجلها من داخلها، ومادام يرجّى فيها الخير والإصلاح والعدل والخير وتغليب المصلحة (المعتبرة في الشرع) والردع عن السوء، فالصلح خير.

وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته.

وعلى هذا، فالطلاق كان دائماً -في أصله التشريعي- إجراءً معتبراً تتعزز به منظومة الزواج، والناظر في تاريخ مجتمعات الأمة يلحظ -دون كثير نظر- كم في مجتمع المدينة المنورة؛ المجتمع الإسلامي الأول الذي تشكّل على عين النبي- كم فيه من مطلقات**  فهل عجِزت بيوت الأكابر أو مراداتهم عن الإصلاح ورأب “الصدع”، معاذ الله! 

وقد كان في مجتمع الأجداد والجدات نوع من الفهم لهذا، فانظر كم للواحدة منهن من الأبناء من أزواج عدة، لا ينتقص هذا ولا ينتقد.  

هذا تقرير لا يهوّن من أمر الطلاق، وأثره، غير أنك ذلك شأن المختصين الذين عليهم أن يقيموا معاني الإصلاح على المعتبر من المقاصد والمناهج ، ثم يؤدونها على ضوابط واشتراطات دور المُصلح.


هوامش:

[1] ذكر محمد حجاب تعليقاً -على هذا- أشار فيه إلى أهمية المحبة بما هي رابطة فاعلة مؤثرة في العلاقة الزوجة (تعد مع الاحترام والثقة ركائز العلاقة). 

[2] لا يعيب مؤخر الصداق، ولعل اشتراط نوع من الكلفة الملزمة مناسبة حسب العرف وأحوال الزواج.

[3] لأجل سهولة الوصول إليه، ورقة الدين، والتأوّل وسيولة المعايير، التي فهل أثّرت ظروف الشيوع كذلك على (ميزان النظر) إليه. 

[4] وقد قيل فيما قيل -في المقطع- إن الغيبة كبيرة، حتى لقد تكون مشابهة لـ”المشكلة التي وقع فيها الزوج”، تقصد المتحدثة: فعل الزوج، الذي تصفه بأنه “ضعيف من هذا الجانب” بصفة مشبهة أخشى أنها تدل على لزوم الفعل أو معاودته مرة بعد مرة.

فهل للغيبة من الآثار ما للخطيئة في سياق الأسرة؟ يفتينا في هذا المختصون، وغرف الاستشارات، والمحاكم، وعيادات الخدمات النفسية والاجتماعية للمراهقين، وأَسرّة المستشفيات، التي عُدّت من آثار الطلاق، وإنما هي من شؤم الخطايا وتضييع الحقوق.

[5] ولتُراجَع المقابلة التي قيل فيها أنه إذا عاد مستحياً معتذراً فبوسع المرأة أن تضع المرأة شروطها لأمور لمن تكن ممكنة لها سابقاً، منها مثلاً: “دراسة دبلوم”، “قيادة سيارة”، “سفر للعائلة التي لم تسافر منذ خمس سنوات” ولتشاركه أموراً مثل حفظ القرآن والدروس والجماعات لتقوية الجانب الإيماني الذي هو سبب الزلل، فإن عاد ثانية فلتعد لمغفرته،  بعدّة الصُلح نفسها فيما يبدو. ولا أدري: هل يُطلب الفضل قبل أن يؤتى بالعدل؟

وإذا كان الحياء من الذنب مما يستثمر في الإصلاح والعود؛ فأول هذا الإصلاح تعظيم هذا الذنب في النفوس وتشنيعه ابتداءً لا سيما في أن يقع في بيتِ مُحصَن، أو أن يكون من الدنيء من الرذائل، التي تُقدِّم للكبائر إن لم تكن من الكبائر.   

ولا شك أن الهدايا مما يُستطاب به النفوس وتُجبر به الخواطر، وللعطاء المادي قيمة عِوَضٍ تُشترى بها بعض المظالم أحياناً، لكنها ليست حلاً لمشاكل الأسرة، ولربما اقترن بهذا النوع من الكلفة ما يكون له آثار سلبية على الزواج والأسرة، ثم إن باب الصلح والإصلاح، وردع الانحلال (الأخلاقي) الذي فشا ولم يستثنِ بيوت المُحََصنين باب غير هذا. والله أعلم.

[6] ومن أبشع ما يُتندّر به في فضاءات الفضح قول أحدهم أو إحداهن: أنه إذا فعل فعلته فافتُضح أمره عندها أن كذا وكذا من العطاء يرضيها أو يُسكتها.

[7] كأن ليس في الخلق ما يردع الزوج الخلوق المحترم المحب لعياله عما قد يهدد أسرته، أو كأنْ على رعونات النفس -في ذاتها-  ألا تكون وحدها سبباً يهدد استقرار البيوت.

[8] وقد كان فيهم من سمع ضحكات أطفاله على لعبة تباع في محل ألعاب، يتضاحك عليها الصبيان: حفّاظة أطفال عليها صورة قذارة (أعزكم الله)، فذهب نهاره التالي إلى المحل، وطلب من إدارة (الجمعية التعاونية) إزالتها -تعويذة للذوق من مجازات القذر-.

** أذكر أني كتبتُ مرة في سياق استعراض عفوي لهذه الفكرة: “على أساس مجتمع المدينة المنورة الفاضل مو مليان مطلّقات، لا أحد يسأل الواحدة منهن: تلت التلاتة كام؟”


سطر أخير:

ما كان من توفيق فمن الله جل في علاه، وما كان من خطأ؛ فمن نفسي، ومن شيطان الكتابة.

أضِف تعليقاً

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id="14583" element_id="style-1"]