أقول -وأنا على ثقة من قولي- بعد سنوات من التدريس في كلية للبنات أن ثمة نسبة ثابتة من الجمال اقتسمتها الطبيعة لبنات البادية، لا تخطئها العين إذا جالت في الوجوه، فإذا كان في الفصل خمسون طالبة -مثلاً- فإن نحو سبع منهن جميلات، نسبة لا تنخرم على تعاقب الدفعات. وعلى أن الحُسن صار صنعة للصانعين هذه الأيام، يبتاع ويشترى، ويعبث بالوجوه؛ يهيّئها لحسنٍ يناسب فلاتر إنستقرام، أو محافل الزينة أكثر مما يهيئه ليوم عادي، تطل فيه الشمس تلفح الوجوه[1]، فمع ذلك، في الوجوه ما هو على صورة الطبيعة، لم يزل؛ تأتي إحداهن محاضرة الثامنة وما مس وجهها غير الماء، فيظهر فيه صنع الطبيعة، لا يأبه لرهق أو تعب أو تكاسل أو إهمال، أو ترى بعضهن قد صنعت بيدها ما صنعته من زينة حتى أظن أن كل جمالها مصنوع، فإذا جاءت ذات محاضرة وما مس وجهها غير الماء، وإذا هو أحسن مما صنعتْ قَبْلُ يدها فيه.
وتأتي البنت على اسم يناسب حُسن صورتها؛ فكيف عرف الأب حين سماها أنها ستكون على نوع من الحسن يناسب ذلك الاسم؛ أ تُراه أدرك وشاية الحُسن من وجه عمتها؟ أم أنها ثقةٌ بوعدٍ للعرقِ قديمٍ، مازال ينسِل في الوجوه أُماً عن جدة؟
وفي الأشعار المنشودة والمغنّاة عهدٌ قديم بوصف جمال بنات البادية، وإذا تلك قِسمة تُنصِف حظهن من الحسن، لا عن غَلَط ولا عن تجوّز.
أقول هذا حفظاً لجمال الطبيعة في ذاكرة العين، وقد صارت تنازَعها من الصور الأشباهُ، ومباضع الجراحين وأمصالهم، حتى قد اشتبه على عيني -وأعيننا جميعاً- غير مرةٍ الجمال الطبيعي في الوجوه، وأذكر أني سألت فتىً عن أثر الجمال المصطنع في أعين جيله من الشبّان، فقال إن العين لفرط ما اعتادت عليه -في الصور والشاشات جيثما التفتت- من الجمال المصنوع صارت تستحسنه وتستملحه، حتى انزاحت معايير الذوق إليه.
أبثّ قولي هذا، وقد أنشد كعب في حضرة النبي:
بانت سعاد
ونحن أمةٌ تتلو جهراً في المساجد آية من الذكر الحكيم في حق سيدها وسيد المرسلين: “ولو أعجبك حُسنهن”.
صلى الله على نبي الجلال والجمال.
هامش:
[1] أذكر أني أيام كورونا قد شاهدت فيلماً وثائقياً عن ديانا -أميرة ويلز- التي كانت ملء أغلفة الصحف وعدسات المصورين، وتوفيت في حادث مفاجئ بعد عيد ميلادها السادس والثلاثين بأيام، قالوا فيه إنها في اليوم الذي لا تُصبح وصورتها على أغلفة صحف أو مجلات ذلك اليوم فإنها تُنكر نفسها، أو قالوا شيئاً من هذا عن أن علاقتها بنفسها منعقدة في صورتها المبثوثة في الفضاء، ويدور الزمن، وتصبح هاتيك العدسات وتطبيقاتها ملء أيدينا وواسطةٌ لعلاقتنا بأنفسنا، حتى نكاد ننكر أنفسنا يومَ لا نظهر على هذه الفضاءات، والله المعين والمستعان.
هامش ثانٍ:
أذكر أن مرح جبر -التي اتخذتها الشاشة أيقونةً للجمال البدوي، فتربعت على ذاكرة المُشاهد نحو خمسة عشر عاماً- (أذكر أني كنت أشاهد مسلسل (جواهر) مع أمي حصة الله يرحمها -إذا بتُّ عندها- من أشرطة فيديو للجزئين الأولين من المسلسل جُلِبت إليها (بكرتونين)، لترى ما فُعل بجواهر، فكان لا يهمها من أحداث المسلسل سوى حَمل جواهر، وبقاؤها في بيت أهلها غضباً من الزوج، الذي يُزوج بابنة عمه طلباً للذرية، وحمل ضرّتها، وما سواه من الأحداث تصفح عنه، حتى أني أمرره بِزِر التسريع)، أذكر أن مرح قالت في مقابلة تلفزيونية بُثّت مؤخراً أنها منذ بلغت السابعة والثلاثين ما عادت تتلقى أدوار بطولة، وأن مُخرِجاً شاهد مقطعاً لمشهد كانت تؤديه وقد بلغت تمام الأربعين فعلّق: “والله كِبرِت”.
لم يلفتني من هذا دوران الزمن في الحُسن، فذلك شأن الطبيعة، ولكن الذي لفتني ما شعرتُ به من سلاسةٍ في تعاطيها مع هذا، قالت، وقد انتصفت عقد الخمسين، حين سألها المذيع عن (التجميل) إنها تخاف أن يشوه صورتها فتتراخى عنه أو تؤجله.
وأنا دائماً يلفتني أثر الجمال القديم في الوجوه: عجوز إنجليزية في الباص، في وجهها أثر من جمال قديم، يشي به وجه ابنتها الخمسينية إذا التفتت، أو وجوه جدات صديقة لي عُرِفن بالحُسن في زمن الصبا، حُسناً لا تخطئه العين على الكِبَر وقلة العافية، حتى يُعرفَ في وجوه الحفيدات إذا اجتمعن؛ تقول إحداهن أو يقال عنها إذا سُئلت:
حفيدةُ ابنةِ فلان
وكان لأبيهن من الذرية أربع بنات ليس معهن ولد، وصار يُذكر اسمه كُلما ذُكر حُسنِ بناته، حتى صار ينسب إليه -من جهة بناته- جمال الحفيدات.
في ختام العام:
جاءت هذه التدوينة في ختام العام الدراسي، وقد مررنا فيه بما مررنا به، عسى الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين ويشيع فيها الأمن والأمان والرزق، والحمد لله على التمام.

من ذاكرة الفصل:
كانت المحاضرة طويلة، فكنت أقتطع للطالبات استراحة قصيرة في منتصفها، أتركهن برهةً وأعود، فإذا عُدت وجدتهن يتحدثن:
جنهم زازير بسدرة
بتعبير أمي حصة الله يرحمها، أي: لهن ضجيج يشبه زقزقة بلابل مجتمعة على أغصان شجرة سِدر، فلما رأيتهن على هذا الحال -في غير (أي: في أكثر من) محاضرة- قلت: ستحصلن جميعاً على درجة إضافية لأجل انشغالهن بالحديث عن الشاشات.
فقالت طالبات الشعبة الثانية -وقد عَلِمن ذلك من زميلات لهن يحضرن في الشعبتين-: “أعطينا درجة إضافية.”
قلتُ علامَ؟ وأنتن مشغولات بالهواتف مدة الاستراحة.
ونحن نكافئ على اللغة الحية الحاضرة بلا حُجب؛ صوتاً ومشافهة!
سطرٌ أخير:
قد يبدو في الحديث أشتات متفرقة، فهل يضير ذلك؟ والمدونة بيت الأفكار، نبثها حية حاضرة، ولا منصة أستعملها تتيح لي نشر أفكار قصيرة.


