Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

“هل يحترمون المرأة؟”

(1)

تجعل الثقافة لفظة (الرجولة) صفة أخلاقية متفوقة، تستبطن في ذلك صالحا إنسانياً: أنها حين جعلت أحد النوعين ملزماً -بلوازم نوعه البشري- بدور أخلاقي متعالٍ، فإنها بذلك تُنزّه دوائر من العلاقات الإنسانية محض المُشاحّة؛ كيف؟ تقوم العلاقات على الأدوار وتبادل المنافع؛ الذي أساسه -طبعاً- العدل والوفاء (يعني: أداء الحق)، ومتى كان أداء الأدوار تعاقدياً منزوع التباذل (أي: خالياً من معنى البذل غير المشروط)، فإنه سيقوم على معنى التنازع واستيفاء الحقوق، لأن الأمر متى كان متعلقاً باستيفاء الحقوق فهناك مساحة بين طرفين، هي بطبيعتها (منطقة نزاع)؛ هذا النزاع يُحلّ إما بنوع من (التبادل التراحمي): الذي يقوم فيه الاستيفاء على معنى السماحة والفضل، أو (تبادل تعاقدي) يُضبط فيه أداء الحقوق بالشرط والحد.
وإذا كانت (ديناميكية) القوة في العلاقات تقوم على الأدوار، وكان على أحد الجنسين -بلوازم نوعه البشري- مُلزماً أن يتمثل قيماً متعالية، كان عليه -لِزاماً- أن يتحمل -في أدائه دوره- تكاليف الاكتمال وكُلفة الفضل، لأن القيمة الأخلاقية جُعلت في بِنية الدور الاجتماعي؛ شرطاً وحدّاً، والتراحم -بطبيعته- ذو كُلفة، لأن الإغضاء بَذلٌ والتجاوز* تَحمُّل، وذلك من طبائع ذلك الدور ووظائفه. 

وقد كانت رجولة الرجل أبداً -في الثقافات وعبر التاريخ- تقاس فيما تقاس بموقفه من المرأة ومعها، تختلف مظاهرها في ذلك، لكنها -كلها- تقوم على صونها عن الأذى وتجنيبها الضيم[1]


(2)

قال أبي -الله يحفظه- ما يعبّر عن ذلك سليقة، -وكان قد تخرج في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض في الثمانينيات-[2]، وكان في دفعتهم مشارقة ومغاربة وأفارقة -مازالوا يلتقون على مُكث- حين سألته سؤالاً أقصد منه أن أتبين فيه شيئاً من تلك الحقبة: “يحترمون المرأة؟”، فأدار وجهه إليّ وإذا في جبينه منعقد وحاجبه مرفوع -وكأني شككت فيما حقه أن يكون معلوماً من بِِنانا الثقافية والعلمية بالضرورة-:

كلهم فضلاء!


(3)

وإذا المعنى مبدؤه قائم في -أصلاً- على اكتمال الخُلق في النفوس، لا على نقد النظرية في الدفاتر؛ وأننا إذا أهدرناه أو تراخينا عنه خُلقاً في النفوس سنتحمل تكلفة نقده في الدفاتر، وأن اكتمال الخلق يورث سعة في العلم؛ كيف؟ أنه يغنيك عن مباحث من المعرفة فتصرف عنها إلى غيرها ما هو أشرف مكانةً أو أرفع نوعاً.

وأذكر أني دعيت من أحد المراكز البحثية في الكويت “للعمل معهم على (ملف النسوية)” فأجبتُ بداهة:

الله لا يشغلني ببيان معيارية الذكر والأنثى

ولم أعد إليهم بتفصيل جوابي بعد ذلك، غير أن عندي: أن مِن العلوم والمعارف ما أظنه أليق بطبعي مما هو أشرف مكانةً في العقل وأقرب نفعاً في الحياة.

ومما يزهدني في التنظير لهذا أن ذلك موضوعاً أضنّ على التنظير له (أقصد: أضن على زمن الكتابة أن يُصرف فيه!) وقد عرفناه سليقة في الطبع أو ممارسة في الثقافة، فمدخله، إقامة هذه المعاني في النفوس لا إدارتها علماً من علوم الكلام والفكر والنظر، فإنما:

الثقافة نظرية في السلوك لا نظرية في المعرفة

على حد قول مالك بن نبي في (مشكلة الثقافة). 

(4)

  • آية (الرجال قوامون على النساء):

في تفسير الآية قال ابن عاشور:

فالمراد من الرجال من كان من أفراد حقيقة الرجل، أي الصنف المعروف من النوع الإنساني، وهو صنف الذكور، وكذلك المراد من النساء صنف الإناث من النوع الإنساني، وليس المراد الرجال جمعَ الرجل بمعنى رَجُل المرأة، أي زوجها لعدم استعماله في هذا المعنى، بخلاف قولهم امرأةُ فلان، ولا المراد من النساء الجمعُ الذي يطلق على الأزواج الإناث وإن كان ذلك قد استعمل في بعض المواضع مثل قوله تعالى { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } ، بل المراد ما يدلّ عليه اللفظ بأصل الوضع كما في قوله تعالىوللنساء نصيب مما اكتسبن} 

ويقول -ابن عاشور- في معنى (القيام على الأمر):

والقَوَّام الذي يقوم على شأن شيءٍ ويليه ويصلحه، يقال قَوَّام وقَيَّام وقَيُّوم وقَيِّم، وكلّها مشتقّة من القيام المجازي الذي هو مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، لأنّ شأن الذي يهتمّ بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره، فأطلق على الاهتمام القيامُ بعلاقة اللزوم. أو شُبِّه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل

قال الزمخشري في معنى تولّي الأمر:

 وفيه دليل على أنّ الولاية إنما تستحق بالفضل، لا بالتغلب والاستطالة والقهر

وفي معنى الفضل قال الرازي:

أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها الى أمرين: إلى العلم، وإلى القدرة … والسبب الثاني: لحصول هذه الفضيلة: قوله تعالى: {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ}

قلتُ:

وفي هذا أن القوامة وظيفة منعقدة بمُكنة تتحصل في النوع الإنساني (العلم والقدرة) تؤهله لأداء دور اجتماعي أخلاقي (القيام على الأمر) ذي تكاليف مادية (الإنفاق) وغير مادية (أنواع أخرى من البذل التي يتطلبها القيام على الأمر). 

ولا أدري أي خطاب هذا الذي جعل معنى (القوامة) -في هذه الأيام/الأزمنة- ينزاح إلى دور الزوج في بيته، مرتبطاً بمحض (الإنفاق)، حتى صار يُراوَد عنه في زمن (عمل المرأة).


هامش:

[1] تلك هي الفكرة في مستواها النظري وفي أصل تمظهراتها، وإذا كانت المجتمعات -على اختلافها- قد أحدثت بعد ذلك ما أحدثت، فذلك حديث أخر.

في الإنجليزية يستعملون لفظة man فعلاً، للدلالة على سلوك أخلاقي ذي تكاليف.

[2] ومازال يذكر هذه الأيام، وكان يدرّسهم علماء ليس كلهم أكاديميين، وكان اليوم الجامعي -مثل يوم المزارع في الحقل- يبدأ ساعة بعد الشروق (السابعة صباحاً) وينتهي ساعةً قبل الزوال (الحادية عشر قبل الظهر).

* لا يترجمنّ أحدكم letting go بـ(السماح بالرحيل) فتلك ترجمة حرفية؛ وإنما هي التجاوز -أو الصفح بمعناه اللغوي المحض القائم على الانصراف لا الغفران بالضرورة-. خطر لي هذا الخاطر وأنا أكتب التدوينة، ويستعصي مثله إذا أترجم!


بدويات نسويات:

لي صديقة (والدها دبلوماسي سابق، جدها بدوي استوطن المدينة، أخوالها تجار من أهل البحر، أبناؤها بدو) قالت إنها تعرفت على (بدويات نسويات) -كما يُعرّفن أنفسهن- مجموعة مثقفات وأكاديميات ينطلقن من منطلقات ثقافية -دنيوية- لبيان مكانة المرأة ومظاهر صونها في أصل ثقافتنا وممارساتنا الثقافية.

7 من التعليقات

  • حنين
    Posted 11 سبتمبر, 2026 at 10:38 ص

    مرحبا حصة، شكرا على هذه التدوينة.وددت سؤالك عن الفقرة الأولى من المقدمة لانني لم افهم المقصود تماما.
    «وأرى أنها في ذلك تستبطن صالحا إنسانياً يكمن في تنزيه دوائر من العلاقات الإنسانية محض التشاحّ القائم على (التعاقد الصِرف)؛ فلا تكون (ديناميكية) العلاقات منزوعة التباذل القائم على التراحم أو التجاوز*، ولأجل ذلك كان على أحد الجنسين أن يمتلك (تكاليف) الاكتمال أو (كُلفة) التفاضل« ما معنى الجملة الأولى، وكذلك العلاقات منزوعة التباذل، وكذلك كلفة التفاضل.. مع جزيل الشكر

    • مؤلف المنشور
      حصة
      Posted 11 سبتمبر, 2026 at 11:12 ص

      مرحبا حنين، شكراً لك على هذه القراءة.
      أما (العلاقات منزوعة التباذل)؛ فهي الخالية من معنى البذل غير المشروط، القائمة على معنى التنازع في استيفاء الحقوق واستكمالها، ومتى كان الأمر يتعلق باستيفاء الحقوق فهناك مساحة بين طرفين، هي بطبيعتها (منطقة نزاع)؛ هذا النزاع يُحلّ بنوع من (التبادل التراحمي): عطاء غير مقاس بالحدّ والمقدار، أو (تبادل تعاقدي) قائم على المقياس والمقدار والشرط.
      وعلى هذا؛ (منزوعة التباذل) يعني: ما فيها عطاء تراحمي؛ وهذا مؤداه أنها تقوم على (المداحَر) في لهجة الخليج!

      (كلفة التفاضل): يتطلب التبادل التراحمي نوع من السماحة في استيفاء الحق، هذا الذي يسمح -بطبيعة الحال- سيتطلب منه أن يتنازل أو يبذل بعض حقه، وهذه (كلفة التفاضل)، أي الكلفة التي يتحملها من يتعامل بالفضل لا محض العدل.

      يا رب تكون الفكرة وضحت الآن، وإلا فعودي وسأعود لشرح الفكرة باللهجة الدارجة، فأنا أحب أن أحكي الأفكار قصصا!

      – (التراحمية) و(التعاقدية) في العلاقات فكرة تكلم عنها المسيري في سيرته.

      • مؤلف المنشور
        حصة
        Posted 11 سبتمبر, 2026 at 12:01 م

        عدّلت ع الفقرة الأولى، بلكي هيك أحسن؟

        (هامش: أنا حصة -مازلت- لكني -كما قلت مرة-: أستخدم في لهجتي اليومية عبارات شامية، وعراقية أحياناً، وصوتي الداخلي يتكلم إلي باللهجة النجدية!)

        • حنين
          Posted 12 سبتمبر, 2026 at 10:52 م

          شكرا لك حصة على الرد المفصل وتعديل الفقرة، اجل هكذا اوضح. تشرفنا بك 🌻

          • مؤلف المنشور
            حصة
            Posted 13 سبتمبر, 2026 at 12:05 ص

            شكراً لملاحظتك، حنين :)

  • غير معروف
    Posted 13 سبتمبر, 2026 at 11:55 ص

    صادفت البدويات النسويات واكتشفت انهن الاكثر رديكالية فايدلوجيا النسوية او كما اسميها انا دين النسوية متمكن منهن بشكل يستغرق كثير من المفاهيم لديهن واظن ان ذلك كاثر عكسي لاساليب التنشئة عندهن والله اعلم

    • مؤلف المنشور
      حصة
      Posted 13 سبتمبر, 2026 at 12:03 م

      مرحبا بك، أعتقد هالمجموعة فكرتها التأكيد على القيم الثقافية في مجتمعاتنا اللي تعبر عن صون المرأة ومكانتها.

أضِف تعليقاً

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id="14583" element_id="style-1"]