Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

لماذا لا تُزخرف مساجدنا؟: عن الجمال والطين وصنعة اليد

منذ سنوات، أظن أني تابعت تقريباً كل ما وقعت عليه من مواد مرئية للمعماري المصري عبد الواحد الوكيل -الذي استضافه علي الظفيري في حلقتين من برنامج (المقابلة) فلم يكد يدعه يكمل فكرة واحدة حتى يبلغ تمامها، ثم كان ثُمُن الحلقة تقارير مصورة قصيرة، كأن شطر المهنة صار قائماً على “الانتقال السريع” أو على تزاحم الصور.[1]

وقابله مؤخراً محمود سعد -الإعلامي الفني- في بودكاست أثير، ثم ظهر في سلسلة من أربع حلقات في (تاريخنا) في قناة في يوتيوب جالساً في مكتبه يشرح خرائط مشاريعه ويجول في شوارع إنجلترا، ثم يعرّفنا على مكتبته، وظهر في بودكاست بالإنجليزية اسمه Muslim Thinking.

يقول أستاذ العمارة تجارب، أو رؤى، أو أفكار أو نظريات. فيما يأتي شيء من المعاني أو الالتقاطات:  

  • الحرفة بوصفها نظاماً تربوياً:

يرى الوكيل أن العمارة الإسلامية لا تقوم إلا بالحرفيين[2]؛ بحرفة اليد، وهو يرى أن الحِرف مهن يدوية ذات نظام أخلاقي إذ تقوم -في ممارستها- على قيم تتمثل فيه معانٍ أخلاقية وتربوية وروحانية منها: الإخلاص بالمعنى العبادي؛ فتجد العامل إذا ما جادلته في السعر فبخسته حقه قال لك: الأعمال لله، يعني: أنها واجب ديني ابتداءً. والإتقان أداءً؛ فالعامل الذي يعدّ عمله جزءاً من كرامته الشخصية[3]، ترى إتقانه فيه مسألة لها معنى شعوري[4] شخصي عنده، يقول -عن غيرة الصانع يغار على صنعته أن يشوبها نقص أو عيب من يده أو يد غيره من العمال[5]-، أن نجاراً كان قد كسر المشربية التي رضي عنها الوكيل -وجاء ليستلمها- لئلا يسلّمها له، لخلل يعرفه النجار فيها ولم يتبين للمهندس، ثم أعادها للصانع ليصنع مثلها. ثم يأتي زمان يزين البائع البضاعة في عينك وهو يعلم عَطَبها؛ ثم يجادلك فيها ليستوفي من مالك ما يبخسك حقه[6].

وليس عجيباً أن يستخدم الوكيل كلمة (بزنس) باعتبارها: المقابل أو النقيض لكلمة (إتقان) -يعبّر عن تفاوت الحال والمقاصد والغايات، والنتائج، فيقول مثلا: مفيش إتقان، كُلُّهُ بزنس، أو يقول مثلا: المقتولات بزنس، التعليم بزنس مفيش إتقان[7].

وإذا نظرت ترى أن الحرف -لاسيما في البلدان التي تقوم المهن فيها على حرفة اليد ترى أستاذ الصنعة (شيخ الكار) مؤدِّب تشبه علاقته بالصانع الذين يعمل معه علاقة الشيخ بالمريد، فلا تكون صلته بهم محض الصنعة، بل معها التربية على العمل، وعلى معان روحية وإيمانية، فترى بعضهم يقول: تعلمت الدفترة (المحاسبة قديماً) من شيوخي[8]، وإذا هي المهنة تعلمها من شيوخ يعلمونه الدين، وقد كان ذلك أول الأمر، ثم بقي منه أن الحرفة تلبّست بالقيم الأخلاقية للعمل فلا تنفك الممارسة المهينة عن الأخلاقية، ويكون من ثمار ذلك نوع من الأدب في العمال يلحظه المهندس المعماري الذي عمل معهم فيجد بعضهم ينقش نقوشاً في زوايا أعمدة لا تبلغها عين الناظر، تربية لنفسه على الإتقان أو لكي ينزع من نفسه معنى مفضولا أو مرذولاً من التعاظم أو طلب المكانة من أعين الناظرين، وعليه: تكون المكانة المهنية متعلقة بمقدار تطلّب الحق في العمل لا بمقدار الاعتراف بالعمل[9]، وتلك قيم وإن كانت تُعلي من شأن العمل والمهنة بقيم الأداء لا بتراكم الكسب أو محض المربحة فيه، فإنها لا تزهّد بالكسب ولكنها تحافظ على قيمته المعنوية.

ثم جاءت حضارة تعدّ تطلّب الكمال في الأعمال عَرَضاً يُتداوى منه[10]؛ أ لأنه يؤخر السلعة عن الرف، أم لأن الكمال معنى، والمَكَنة ليست يداً واليد لها روح، والروح عاملٌ تؤدى به المعاني، والآلة لا تعرف المعاني.

  • في معنى التحسين:

يقول أن التغيير منوط تحسين العمل، أي بتمكينه من أداء وظيفته التي أقيم لأجلها، لا محض التغيير و”التطوير”، وعلى هذا؛ فالتغيير مُسبَّبٌ دائماً (أي: له سبب يتعلق بتحسين الوظيفة)، وجزئي؛ أي متعلّق بأجزاء تُمكّن من أداء الوظيفة بصورة أفضل؛ ثم إنه لا يمس  في الهوية؛ إنما يعززها باستدامة فاعلية منشآتها، وعلى هذا؛ فأي تغيير غير منوط بتحسين الأداء أو أنه يمس الهوية فهو تغيير سطحي.

فهو يرى أن العمارة بما هي صنعة تقوم على ثلاث ركائز متعالقة: الجمال، والبنية الإنشائية، والوظيفة، والجمال. يقوم الجمال بمقدار ما يتحقق بالبنية من وظيفة، وتتمثل الهوية بتمثّل هذه المعاني، فالجمال يتحقق بزينة لها وظيفة (أما الزخرف: فزينة لا وظيفة لها) فمساجدنا لا تخلو من جمال وما ينبغي لها، غير أنه جمال غير مضطر إلى زُخرف.[11]

ثم هو يرى الجمال -مثل الحق- قيمة ساكنة لا متحركة؛ مكانية منعقدة بالمكان متكيفة مع شروطه، لا زمانية؛ يغيرها دوران الزمان. وعلى هذا فلا تراه يحيلك إلى (زمن جميل) بل إلى مكان جميل، يستنفذ وسعه وإمكانياته ومشروعه في إقامته: بناءً أو فكرة (أقول: إقامته، لا إعادته).

  • الانكفاء الى الداخل بوصفه أسلوب حياة:

يصمم الوكيل المساكن التي يبنيها بنظام العمارة المنكفئة إلى الداخل: جدران بيضاء مصمتة تستنفذ مساحة الأرض وفناء داخلي يتوسط المكان، والطين هو وحدة البناء الأساسية: مادة يشكلها الصانع بيده، يصلح الخطأ في وحدة البناء (الطوب) بالمكاثرة؛ أي يعيد التشكيل بزيادة المادة ليصلحها علي تعمل فيها تشكلها، وترتزق بيوت العمال منها، ويرى أن الحرفة اليدوية تقوم بمواد فيها قيمة الحفاظ على المواد، باعتبارها مسؤولية[12] أخلاقية “لا تكلفة ينبغي تقليصها”.[13]

يقول عن الجدران المصمتة أنها جُعلت لتستنفذ مساحة قطعة الأرض بناءً فتجعل سَعته، ونوافذه كذلك، إلى الداخل، فتستره عن الخارج، وتعزله عن الضجيج، وتحجب أرزاقه عن عين المارّة التي تمدّ إليه إلى زينته على نحو تُعرض عليهم ويضرب بينهم وبينها سور مصمم ليعرضها عليهم[14]، وترفع نظره إلى السماء، فيكون البيت -بفِنائه- مساحة اكتفاء، تردك فيه ضوء الشمس ونسمة الليل، وتكون لك حديقة قد تزرع فيها ما تأكله، ويجتمع فيها عيالك أو أهلك أو رفاقك فلا يتفرقون بحثاً عما يحجبه البيت عنهم من الطبيعة أو سبل السعة والاسترواح، فيتحقق لك في مسكنك وظيفة السكن ومعنى السكون والسكينة، في يشاركك في جدرانه جار فوقك وجار تحتك وجار يسمع قرع نعلك أو تطل على دارك نافذته.

وإذا الجدران المصمتة تتجاوز وظيفتها حجب النساء -كما يقول المستشرقون-  وإذا الستر معنى -لا محض وظيفة- يقوم على مفهوم الصون: إي إعلاء قيمته  كرامة الإنسان بحفظ خصوصيته. ثم يأتي زمان يبذل فيه المرء، أو يبتذل، منزله لأعين الناظرين في فضاءات تَلُوكُ صور مجالسنا وهي -وإن خلت حرمات حقها السَتر لمن فيها[15]؛ حاضرين أم غابوا.  

لعل شيئاً من هذه المعاني إذ يعيدنا إلى الطين: مادة البناء الأولى – يذكّرنا بما يناسب طبائعنا فتستقيم بما في من استعداد ذاتي، لا تلوثه لوثة الركض.


هوامش:

[1] لم تكن تلك ملاحظاتي وحدي، فكثيرون في التعليقات عبروا عن انزعاج أو ضجر من مقاطعة الضيف.

[2] يقول إن الفن في العمارة الإسلامية يقوم على الحرف اليدوية، والتوريد (نقوش الورد)، وثالثة نسيتها، على أني حاولت أن أكتب ملاحظات عجلى على بعض ما ذكر في الحلقات.

[3] يلاحظ مثل هذا من يعمل مع شباب يعملون أعمال مستقلة freelancers من غزة.

[4] تعدّ بعض مناهج علم النفس الكفاءةَ والإنجاز من الحاجات الإنسانية الضرورية.

[5] لا تزال تجد تذمراً كثيراً من أصحاب الصنعة على الطارئين على مهنهم، يقلون إنهم لا يلتزمون أصولها، أذكر أني وجدت مثل هذا عند سائق أجرة صادفته عند محطة قطار، في طابور سيارات أجرة، حين رفض أحد السائقين أن يُركبني سيارته لأنه رأى أني أحمل حقيبة سفر، فردّني بأسلوب فظّ، وتنكّر لمكاني في الدور، فغضب السائق الذي يليه، وحمل أغراضي وطلب مني أن أصور لوحته وأبعث شكوى لإيميل البلدية، وتذمر من الطارئين على المهنة أنهم لا يعرفون أصولها.

فشكوته، (لا أُحسِن السكوت عن خطأ مع أني نُشِّئتُ تنشئة تُلزمكبالتغافل والتسامح إلزاماً).

ملمح في التربية:

وأنا هنا أشير إلى ملاحظة تربوية أن الطِيب لا يُورّث بالسليقة وإنما يُغرس ويُنمى بالتنشئة، وقد يغفل عن هذا الطَيبة معادنهم من الناس؛ أنهم يظنون الأخلاق سليقة في الطبع، وإنما هي تربية وتنشئة وإقامة -مع إمكان وجود استعداد أو أسباب تهيِّئه مثل: بيئة تتمثل فيها هذه الأخلاق، وقد سمعت أحدهم يقول في مقطع متعجباً من أخلاق بعض الناس: أبوك طيّب وخالك طيّب وجدك طيّب من وين جاك الردى؟! وأظن أن الناس إذ تظنّ أنها تورِّث هذه الأخلاق تغفل عن مكابدة تربيتها في النفوس، مثل رجل لا يترك فرضاً في المسجد ويظن أن أن أبناءه سيفعلون فعله فيغفل عن أمرهم بها أو دفعهم إليها فينشؤون على غير ما نشأ، وقد تتأخر محافظتهم على الفرض إلى ما بعد رعونات الشباب، سمعنا هذا ورأيناه. 

والله يعيننا ويحفظنا ويهدينا.     

في سياق -مهني- آخر:

في نص عند الجاحظ (ت255هـ): “ثم وصف أصحاب الصناعات، وذكر تعاطف أهلها على نظرائهم، وتعصُّب رجالها على غيرهم فقال: لا أعلم أهل صناعة إلا وهم يجْرون في ذلك إلى غاية محمودة، ويأتون منه آيةً مذكورة، إلا الكُتَّاب، فإنَّ أحدهم يتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله، ويسترجح رأيه إذا بلغ في نكاية رجلٍ من أهل صناعته.”

فهل، وقد أحالتنا هذه الفضاءات كُتاباً جميعناً، صيّرت الجميع أمثالاً، ثم فتحت باباً من “التحاذق” والاستقصاء على الأمثال الذي نراه في هذه الفضاءات؟ لا أدري.

[6] وفي الذكر الحكيم: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنهم هم يخسرون﴾

[7] وآنا هنا لا أنقل نصاً.

[8] سمعت مثل هذا هنا، وأحيل إلى المقطع أمانةً ولا أتبنى ما فيه.

[9] قال هذا مراد اكدنيز، مقدّم الحلقات، في مقطع مصوّر في إحدى الحلقات.

[10] وليس ذلك (رأياً نفسيا)، وإنما هو ملاحظة.

وقد مرّ زمن يراجع فيه الشاعر قصيدته حولاً قبل أن يبثها إلى الناس، فكانت تلك من مناقب القصائد.

[11] على أنه يرى التوريد: رسم الورود، من أركان الفن في العمارة الإسلامية لكنه يرى أن التوريد له وظيفة رمزية -لأن الرسوم رموز تحمل معان-  إلى جانب وظائف أخرى محتملة فيما يبدو.

[12]  يستخدم لفظ اللامسؤولية بوصفه نقيضاً للمهنية -على ما أذكر-.

[13] قال هذا مراد اكدينز في مقطع مصور في الحلقة الرابعة في السلسلة.

[14] قال إن معمارياً إنجليزياً قال له عن الأسوار الحديدية حول القصور لإنها لا تمثل القيم المسيحية: تعرض للناظر بهاء القصر ومحيطه وتمنعه عنه.

[15] وقد كان من حرمة البيت عند بعضهم أنه إذا أدخل عاملاً أدخله من زوايا الدار بحيث لا يمر على أهل الدار وإن كانوا محتجبين أو في ثياب الخروج.


اقتباس:

لا تُعرّف الحرفة تعريفاً دقيقاً بمجرد العمل اليدوي، بل بمجموعة من الشروط الوجودية؛ من بينها مسؤولية الصانع الأخلاقية تجاه المادة والنتيجة، ووضوح العلاقة السببية بين النية والعملية والمحصلة، وأولوية التناسب والاقتصاد، والاعتراف بالزمن باعتباره بُعدا أخلاقياً نوعياً، لا تكلفة ينبغي تقليصها.

في الحرفية أو في الحرفة يُدمج الخير في صميم العملية بدل أن يُلحق بها عبر أنظمة رقابية خارجية، وتصان الحقيقة من خلال نزاهة المادة والشكل، لا عبر محاكاة المظهر، أما الجمال فينبثق بوصفه نتيجة طبيعية لاتساق النتيجة مع المنهج والغاية، وبهذا المعنى تغدو الحرفية أو الحرفة الوسيط الوحيد القادر على الربط بين مبادئ فهم الواقع والتجلي المادي.

 مراد اكدنيز – الحلقة الرابعة من سلسلة موروث مع عبد الواحد الوكيل

2 من التعليقات

  • أبو محمد
    Posted 21 أغسطس, 2026 at 11:16 م

    د. حصة: ابداعك اضاف للمعمار جمالا لم أكن أعرفه
    حفظك الرحمن

    • مؤلف المنشور
      حصة
      Posted 21 أغسطس, 2026 at 11:17 م

      سرّني هذا، باشمهندس!
      سَلّمك الله

أضِف تعليقاً

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id="14583" element_id="style-1"]