Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

عن قلق الكتابة: لماذا تستعصي الكلمات؟

الفكرة هي ما ينقدح في ذهنك بادئ بدء، هي شيء قد يبدو مثل العزم، أو أول النية المنعقدة في النفس، أو مثل لمح الصور، أو كشعورٍ في نفسك، أو مثل فهمٍ ينزل في رأسك بلا لغة، أو معنى يتبدى لك من ربط المتشابهات أو ملاحظة الفروق.

تبدو الفكرة -أحياناً- واضحة في ذهنك، تتصور أنك ملكت زمامها، حتى إذا أتيت لتفصح عنها؛ توضّحها، تعثّرت لغتك، أو عقد محدّثك ما بين عينيه لما تقول؛ يسألك وأنت ترى أن بين معناك وفهمه حاجز صغير أو حجاب شفيف، فتحاول أن تؤتيه المعنى الذي في ذهنك من طريق أخرى.

أو تكتب فكرة في ذهنك على الورق تنكبّ عليه، أو تطبع على جهازك تتسارع أناملك حتى لتشعر أنك ليبدو لك أنك تحدّث نفسك حتى إذا قرأت ما كتبت أو قُرِئ لك تبين زحام الأسطر على معنى لم يتبين بعد.

ما المسافة بين الأفكار والكتابة، ولماذا لا نكتب أفكاراً تبدو واضحة في رؤوسنا؟

تقدم هذه التدوينة نظرات في طريق سير الفكرة من الرأس إلى الورق (استفدت[1] كثيراً منها من مقالين لهينريك كارلسون على صفحته في substack، أو مما انقدح في ذهني من منهما).

الكتابة هي أداة فحص وضوح فكرتك (لا صلاحها، فذاك شأن آخر)، لا تظهر لك جوانب عدم اكتمال فكرتك حتى تبدأ مسوداتك؛ تكشف لك السطور مقدار ما هو واضح في رأسك من فكرتك، وهي إذ تفعل ذلك تكشف لك جوانب عدم اكتمالها.

تختبر الكتابة مقدار وجود البنية المنطقية للنص:

  • مكونات الفكرة التي تريد أن تعبّر عنها: ما الأفكار الأساسية التي تتكون منها هذه الفكرة؟
  • ما الهدف أو الغرض الذي تريد أن تقدمه: ما النتيجة القولية التي تريد أن تقدمها؛ ما خلاصة قولك في الموضوع؟
  • ما الخطوات والإجراءات التي بنيت عليها فكرتك؟: وهذا قد يتكون من: قول قاله غيرك؛ فبنيتَ عليه أو استدركت، أو مثال توضّح به جوانب المشاكلة.

تتكون (البنية المنطقية) لفكرتك من وحدات صلبة[2]، وهذه الوحدات هي الأفكار المكتملة، وقد تكون الأفكار المكتملة في رأسك:

  • أقوال[3] غيرك التي بنيت عليها قولك؛ سواء انطلقت منها أو استدركت عليها.
  • أمثلة تقارب بها فكرتك، بالتقاط جوانب التشابه أو المخالفة[4].
  • أفكارك الناضجة في رأسك (وتلك مكتوبة على الورق).

ثم لا يصيبنك إحباط إذا ما وجدت السطور الكثيرة ليست فيها إلا فكرة أو فكرتين؛ فذلك طبع البدايات وأول الطريق. المشكل الذي يقع فيه أكثرنا أنه يحاول أن يحسّن أفكاره على الورق، وإنما اللغة آلة يا رفاق، تكمن حمولتها في (فكرتك) التي تريد أن تعبّر عنها، والفكرة الناضجة في الرأس من طبعها أنها -إن نضجت- مثل الميزان للكلِم، لأنك لا تحتاج أن تقول إلا بقدر ما تعرب فيه عن فكرتك، فدع القلم عنك برهة، وارفع رأسك ومدّ نظرك: هل تعرف فعلاً ما تريد أن تقول؟ لأن المشكل قد يكون في أن الفكرة نفسها تحتاج إلى ما يتممها، لا لغة القول ولا حبر السطور.

كتبت في تدوينة سابقة أنه في مرحلة الدكتوراه، في محاضرات البحث العلمي، أو فصول التدريب على البحث نصحونا أن نكتب في أول المراحل، وأني أرى ذلك غير مفيد ولا أنصح به، وأن عليك أن تجمع المادة، وتلاحظ وجوه التشابه والاختلاف في العينة، وتكتب ملاحظاتك كتابة حرة في الأسلوب موجهة في الغاية؛ تضع أسئلتك نصب لغتك، ثم لا عليك أن تكون سطورك خربشات طالما أنك عرفت بالسؤال ما تبحث عنه، وسجلت ملاحظتك[5].

وأجدني هنا أتمثل تجربتي: لمن لا يعرف، وجُلّكم أو كلكم لا يعرف: أني استغلق عليّ التدوين أعواماً خمسة (تزامنت مع بعض سنوات الغربة أو نحوها)، ومن التجارب والقراءة والتعلّم كونت فرضيتي: أقول: إنك تستغلق عليك الكتابة لأجل أن أمراً يشغلك؛ يحجب انشغال النفس بحوائجها شيئاً من قدرة العقل على التفكير المنطقي، وبذلك تتعطل أحياناً القدرة على بيان الأفكار (المقصودة) لأن اللغة بناء منطقي[6].

غير أن الأفكار لا تتعطل؛ أنت تمشي في الدروب، ويتكون لك رزقك من التجارب رويداً على غفلة من شُحّ اللغة؛ تتكون في ذهنك أفكار لكنك لا تزاحمها باللغة، فلا يقلقك أنها لا تَبين، ويتخفف عقلك من ضغط البيان وأحمال نظم الكلمات، تستوي الأفكار بنار التجارب على غير وعي منك، يُهديك الصبر على الطريق -إن أنت قدمته- سكون النفس، يتكون الفهم أولاً، ثم تنساق بأمر الله اللغة.

ولعل هذا العالم المرئي يجعلك تحت ضغط الشاشات، فتصيّر الكتابة منتجاً يُرى: عليك أن تحسّن كلماتك أو تصوغ قولك، وفيه يتمثل حضورك، فكأن اللغة تتلقاها أعين الناظرين قبل لأسماعهم! (والكتابة أبداً قولٌ يُسمع) فتظن أنت أن الفكر هو اللغة، فتعجل إليها قبل أن تستوي فكرتك، لأن وجودك صار منعقداً باللغة التي تقول بها قولك لا بمحض تجاربك!

رويدك! الحياة تجربة

سنقدم إلى الله بما استقر فينا من معاني تجاربنا، لا بمحض اللغة!

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.


هوامش:

[1] ربما تكون بعض السطور في المقدمة وفي غيرها تلخيصاً لما قاله في المقال، أو لفهمي لما قاله.

[2] هذه من أفكار أحد المقالين الذين أحلت إليها.

[3] قلتُ: أقوال لأنها مكتملة مبثوثة في صيغة منطوقة أو مكتوبة.

[4] ألاحظ أن كثيراً من الباحثين ينشغل بجمع ما قيل سابقاً في المجال، ولعله يستوفيه، وذلك حسنٌ، غير أنك إن لم تقدّم قدراً مماثلاً من وقت الرصد في التماس جوانب المشاكلة والمخالفة، فإن ذلك قد يجعل العمل -مهما كان مستوفياً بابه- فيه نوع من الحشد -إن وافقني التعبير-، وإنما تتشكل الفكرة وتكمن قيمتها من فحص هذه الأقوال، وآلة ذلك: مقارنة المتشابهات، ورصد جوانب المخالفة وإعمال الفكر في الفروق أو المفارقات.

[5] ملاحظة المتشابهات ورصد الفروق عمليات أولية، لا تكتمل إلا من خلال اللغة (قال هينريك في أحد مقاليه أن الأفكار عمليات أولية لا تتم إلا من خلال اللغة، أو قال شيئاً من ذلك).

[6] ربما عدت لأصوغ هذه العبارة، يحجب انشغال النفس شيئاً من قدرة العقل على البيان، وذلك معلوم، ومشاهد، حتى أن أبرع الناس في البيان قد يتعطل بيانهم أو يتراخى في مواقف ذات حموله شعورية. 


مصادر:

henrikkarlsson.xyz/p/wordless-thought

henrikkarlsson.xyz/p/writing-to-think


اقتباس:

حين كنا تلاميذ كان معلمونا ينصحوننا، بخصوص تمرين الإنشاء، أن نراجع ما كتبنا بهدف استدراك ما قد يكون فيه من أخطاء لغوية، قبل أن نسلمه لهم للتصحيح. كنا نعتبر الخطأ شيئًا عرضيًا، مردُّه إلى الإهمال ويكفي قدر من التركيز لتلافيه. مراجعة سريعة وتنتهي مهمَّتنا، هكذا كنا نرى الأمر. أما اليوم فإنني أعيد النظر في ما كتبت عشرات المرات، ولا أتوقف إلا وفي ذهني أنني إن أعدت القراءة سأكتشف هفوات جديدة. خلافًا لما كنت أعتقد في صغري، اتضح لي أن الخطأ ليس شيئًا يحدث أو لا يحدث. إنه على العكس المكون الأساس للكتابة، معدنها وطبعها.

 

عبد الفتاح كيليطو – في جو من الندم الفكري

 

أضِف تعليقاً

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id="14583" element_id="style-1"]