قل لي هل كتبتَ يوماً دون أن تتطلبَ أثر كلماتك في عين قارئ، أو في نفسه؟[1]
هل كتب غيرُك -في التاريخ كله- دون أن يتطلب عين آخرٍ تتلقاه؟
إنما الكتابة وبث المعرفة فعل مشاركة وأنس، ولو لقارئ متخيَّل يحضر في تصورك، وإن لم تكن صوته في مجلسك، أو صداه في صفحتك.
(1)
في اللقاء التعريفي الأول الذي عقدته الجامعة في مرحلة الدكتوراه قالوا لنا:
It is a lonely journey
“تلك رحلة تقطعها وحيدا“
وكانت تلك بالنسبة لي غُربة على غربة المكان، غير أن ذلك من طبع التعلّم، وهو زمن عكوف، عبّر عن ابن عطاء الله بتعبير “أرض الخمول“، ولم تخلُ الرحلة من أُنسٍ ومباهج بطبيعة الحال، غير أني صبرت عليها، ثم بعد زمن- من التخرج- انقطع صبري على الطريق المنفردة.
كنت أسافر للتعلم، حتى ظننت أني ألفتُ المسير في الدروب، وقد آتاني الله خفة إلى الطريق، أرتبها على متطلبات الرحلة، ثم فجأة انقطع صبري على خلوّ الدرب وهدوئه، وإذا هو رُكام العناء، الذي هوننا منه تخفيفاً على أنفسنا لئلا يثقلها الطريق، أو حياءً من تفحّص الآلام.[1]
ثم اكتشفت أن كل طريق يُنبت أُنساً وكل رحلة تورث رِفقةً.
ذلك أن الرحلة التي تقطعها للتعلم -أياً كان، وفي أي مرحلة- فيها من العناء ما يدعوك حين تحط رحالك أن تبثه؛ ماذا تفعل بكل هذه الدروس التي حشوت بها رأسك، والتأملات التي نشأت من ربط المتشابهات في رأسك، وأنت تقطع طريقاً بعيدة تتلمس فيها ما يشبه شيئاً مما تألفه، فيبرز لك من وجوه التناسب ما قد لا يظهر لعين الفِكر أول وهلة.
تعود لتكتب ما تعلمت من النظريات أو المعاني حكايات أو قصصاً، كأنك تدفع عن نفسك ثقلة التعلم أو صرامة الدرس في الكتب، أو أنك تتطلب قارئاً تريد أن تدفع عنه الملال استباقاً، ثم إنك أوتيت في طبعك ميلاً للتواري وتأتي -فيما تأتي- من أرزاق هذا الميل إلى التواري -ما تظنه- زهداً في الإبهار، لكن -ومِن عَجبٍ- أنت تتطلب عين الناظر ودهشته أو استحسانه، لكنه بالنظر إلى ما كتبت في الدفاتر لا إلى الشخوص، فكأن حاجتك هي من نفس جنس استغنائك (فما ظننت أنك زاهد فيه تجد أنك تتطلبه لكن من باب آخر)، وكأننا مجبولون على حاجتنا إلى عين الآخر لا تتم معانينا إلا به، وكأن الطريق التي قطعتها مكابدةً على ضعف الأنوثة فيك [2]، تجد فيها العقول معنى يكملها.
(2)
كنتُ ألِفة دائماً -وآلة الإلف اللغة- وقد فطِن أبي -الله يحفظه- إلى ذلك مبكراً، فكان إذا تأخر علينا في المدرسة يقول ما يعبّر عن معرفته أني قد قضيت وقت الانتظار بنوع من الحكايات، وفي حين كبرنا وتراكمت في حياتنا الحوادث والأحداث صارت صديقاتي يقلن أني أحكي على طاولات المقاهي: أفكاراً لا أحداثاً. وصار يحفزني إلى التعلم أني أعرف أني سأبث شيئاً مما تعلمته فيما يناسبني -أو يناسبه- من الفضاءات، حتى صار يُثقلني أن لا أفعل.
فسبحان الله الذي جعل في خِلْقتنا -نحن البشر- من سعة الأرزاق، وخفيّ الحاجات ما يصير فيها ما في يدك رزقاً يُرزق منه غيرك.
(3)
وكنت أحب أن أوصل ما تعلمت لمن يهمه أمره، فكنت أخبر أستاذاً أجنبياً عن معنى في التراث، أو أُلمِح في درسٍ عن ممارسة ثقافية لا يعرفونها، أو أشرح نظرية لصديقة لم تدرسها أو لا تُحسن لغتها، أو أزاوج بين معنى في الكتب المدرسية وممارسة لها خصوصية ثقافية، أو أُنشئ موقعاً أبث فيه ما تعلمت، وقد أزيد عليه، كأنما أحاول أن أزكي عن العبور بمدّ الجسور.
وكنت قد أقمت عاماً في الغربة، كنت باحثاً زائراً، وكان في القسم أستاذ عربي مقيم في الغرب متخصص في فرع من الترجمة دقيق وطريف، قدّرتُ أن مجاله سيسترعي عناية المهتمين، وأنه يُحب أن يوصل بهم، فطلبت من أحد الزملاء، ذكيٌٌ نبيه، أن يقترح علي أسئلة، فكتبها ومدّها، وكنت مشغولة، فبعثت بها لموقع عربي، وبعثت إليهم ببيانات الاتصال بالدكتور ليراسلوه بالأسئلة وينشرونها مكتوبةً، ففعلوا، واستكتبوه، وأظنهم جعلوه يُقرّض بعض إصداراتهم، وحسبي كفارة عن وعثاء الطريق: مدّ الجسور.
قالت صديقة -تتلمس تنبيهاً أو نصحاً- أن الصلات هذه والروابط تعدّ مصدراً، أو -قالت- نقطة قوة، وعلى هذا، فـ(بيانات الوصول)، مورد، أو قالت -شيئاً من هذا- من مصطلحات رأس المال.
فرفعتُ رأسي إليها وأنا أزمُّ رمشي كمن يتبين شيئاً أمامه:
أَخٌ هو أَمْ ابن عم؟ أنا لا أعرف مَن “يُدّخر” من الغرباء سواهما![3].
تعليق:
لا أحب أن يبدو شيئاً مما كتبته “محتوىً” وقد انعجنت تلك التجارب بنفسي؛ بذلت فيها من طاقة النفس ما بذلت، وأنا “متطرفة” في هذا، وقد ابتسمت مرةً لتعليق قال فيه صاحبه: “أظنك تطرفتِ في هذا”، قلت في نفسي: ألا يعرف -وهو يقرأ ما أكتب- أني أتطرف فيما يناسب طبعي من الميول، أحولها أفكاراً (وذلك من قبيل التجني)!
هامش:
[1] كتبتُ مرة على هامش تدوينة: “يستحي أهل نجدٍ من تفحّص آلامهم، أو إطالة زمن أحزانهم، مثل بدوي يستحي من طول مُكثٍ في المدينة”.
[2] ضعف الجسد على مكابدة الطريق.
وإضمار مؤنثة مخاطبة طريقة في السرد يعذرنا عليها القارئ الكريم!، أو فلتُحمل العبارة على الالتفات، تكرماً.
[3] على قطع الاستثناء.
في لساني حدّة تؤنبني أمي عليها، ويتبسم منها أبي، ولا أدري إن كانت تشاكلها حدة في الطبع أو لا تشاكلها.
تحديث:
إحدى الصديقات كتبت، تعليقاً على تفاعل الحضور في فعالية أقيمت مؤخراً: “تطلب العلم بجلد وتُبسّطه بسخاء”، تلك أعين الصديقات لا شك، من وراء حجاب السَتر، عسى الله أن يغفر ما لا يعلمون، غير أن ذلك قول -وإن كان فيه نظر- قد لفتني إلى أن كثيراً من الأرزاق قد أوتيتها من فضل الله، في أوقاتِ مشارَكةٍ أظن أني التفتتُّ فيها -أو غفلتْ فيها نفسي- عن شحّ نفسي.
وما زال هذا العالم يراودك عن معاييرك، من جهة أنه يبني قضاء حوائج الدنيا والنفس في بنىً يكون أصلها القيمي والأدائي قائم على معنى المشاحة. (وقد فطن الفقهاء إلى أن حقوق العباد قائمة أبداً على المشاحة، وذلك معتبر في الشرع، غير أن تلك البنى الاجتماعية والثقافية تلك كانت مبنية على قيم أخلاقية، منها: الوفاء (تأدية الحقوق)، والعدل، وتلك معانٍ وبِنى من شأنها أنها تُلِزم نوعاً من التشارك التراحمي تعطيه معنى قِيَمياً اجتماعياً وتستثمره، ثم صار معنى التبادل قائم على محض التعاقد.
والله يهدينا ويسددنا ويقينا اضطراب المعايير -في نفوسنا أولاً- وكلنا عرضة لذلك.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فوق حجاب اللغة:
قالت صديقة وكنت أبثها بعض أفكاري: “المشكلة: العالم مو بهالشفافية!”
والله من وراء القصد وفوق حجاب اللغة، يا رفاق!


