يقول المتنبي:
وما كمد الحساد شيء قصدته
ومن دعاء النبوة:
ولا تُشمِت بي عدواً ولا حاسدا
تنويه
لا تهدف هذه المقالة أن تكون التفاتة عن الأحداث الكبرى ولا تهميشاً لها (ونستعيذ بالله أن تكون)، وإنما هي نظرة -ذاتية- في زاوية من هذا الفتق المترامية أطرافه، ولا تثريب، فإنما الفتق أعطاب صغيرة، وأول الإصلاح من جهة التأمل والنظر، والله أعلم.
عن تغيّر الأحوال
كنا نعلم أن الأيام دُول، وأن حالاً لا يدوم، قالت لنا الدنيا ذلك في زمن سبق علينا، وفي التاريخ والسنن ما ينبئ أن الأحوال تصير من أرض إلى أرض، اللهم سلم، وكان من رجائنا أن توقى هذه الأرض مصارع السوء،؛ أن لا تقع وإذا وقعت أن تجد متكأً. يحضر هذا في أدبيات العمل الخيري منذ نيف وأربعين سنة، كأنها تعويذة تُدخرها الأرض ليوم قِلّة أو بلاء، أو أنه نذر قديم نذرته عما في بطنها من قبل أن تنفتق طينتها عن النفط: كانت الجدات يقلن -أيام القِلة-: “بيت الغِنى يستحي من الفقر”، والمعنى المتداول غالباً أنه يستحي أن يقبض يده عن العطاء، ثم صرن يقلن في زمن الوفرة: “من سوّى سوّى لنفسه” تعويذة من المن والاستكثار، أو موعظة يُذكّر الناس بها بتقلب الأحوال أن:
أحسِن إذا كان إمكان ومقدرة
فلن يدوم على الإحسان إمكان
ثقافة مجتمع
تشكّل هذا حتى صار موقفاً نفسياً جمعياً يقع في صميم البنية الاجتماعية وتخدمه بِناها ومؤسساتها؛ شعبٌ إذا بُشِّر أَطعِم، وإذا رجا أمراً أَطعم، وحين يخاف يُطعم، يبدو الأمر كأنه موقف شخصي يتخذه كُل أحد -هنا- من ابتسامة اليتيم، أو شيء منعقد في موقفه من الحياة، ولا يبدو الأمر أنه متعلق بتوجهات معينة، يُعطي الناس ويمضون.
لا يختلف الموقف الرسمي عن الشعبي كثيراً في هذا، الذي يبدو أنه يتبنى مواقف مبدئية، لا تلهيه عنها الأزمات، ولا تشدّه إليها اشتراطات (في البيان الختامي للمؤتمر الشعبي الكويتي في جدة أثناء الغزو العراقي عام 1990، خُصص بند (14) للتأكيد على الموقف الكويتي من الحق الفلسطيني مهما كان “موقف بعض القيادات الفلسطينية”، وفي البحر المتوسط تجوب ناقلات نفط عملاقة مياه فتنفذ جولات إنقاذ للاجئين هي الأكبر في تاريخ السفن التجارية، لا يرافق هذا حملات إعلامية أو علاقات عامة، ولا اشتراطات استراتيجية).
يصدر بيان رسمي يعبر عن هذا الموقف المبدئي، والبلد مُصاب بخطر يستهدف بِنيته التحتية، كأن هذه المواقف مسألة وجود: ما وُجِدنا فسنوجد هكذا. ليس في ذلك منة ولا فيه فضل، والقصور حاصل ومشاهَد وموجود، لا نقول أنا قد أوتينا المواقف من أطرافها، وإنما هو رصد لهذه الحالة بوصفها مَلمَحاً في ثقافة الأرض، منذ عرفتها الخارطة، كأنه جبلّة معجونة في طينتها.
تلك هي (ثقافة المجتمع) إذا قالوا (ثقافة مجتمع): حالٌ دائبة تتجاوز تقلبات الزمن وتغيُّر الأحوال، ونتائج الموقف، منعقدة في الوجود نفسه، تُسندها قوة تيسرها أو تتبناها أو تُطبّعها (أي تجعلها طبعاً وسِمة).
في الحسد
غير أن التحاسد أيضاً من طبائع النفوس، لا يسلم منه أحد، ولكنه لا يلبث -إن أُريد له ذلك- أن يُنشئ ثقافة من التشفي والفرح بالمصاب، تنشأ هذه (الثقافة) -أول ما تنشأ- في النفوس، كمداً على تفاوت الحال، ثم لا يلبث الحسد أن يكون حقداً، معبّر عنه في المواقف صراحة بالتشفي.
لماذا يتحاسد الناس؟
الحسد معقود بنواصي النعم، يتحاسد الناس على النعم في أيدي بعضهم ما دامت ترى، حتى إنهم يقولون: “لا مات حاسدوك”، أنّ “كل ذي نعمة محسود” عليها، فلا يسلم أحد من ذلك.
يتحاسد الناس لأن النفوس يشق عليها أن ترى من يفضلها في رزق، والحسد هو الأخ الأصغر للحقد، تؤتى الضغينة من باب الحسد، فلا يقف الحسد على عتبات القلوب، ولا يعبّر عنه بمحض الخذلان، وإنما يذاع بإظهار الفرح بالمصاب تشفياً، ومن عجب النفوس أن من الحسد ما لا ينطفئ بالإحسان، وقد يوغره الإحسان، من جهة ثِقِل وكراهيته التفاضل: يثقل عليك أن غيرك يفوقك في رزق معاشه وأنه بفاضل (أي بزائد) رزقه -من مال أو جاه- يحسن أليك، وقديماً قال العرب: “اتق شر من أحسنت إليه”؛ فقد لا يشمت الشامت عن عداوة سبقت، ولكن عن غبن ومغبة من نعمة يراها عند غيره، كأن النفوس تضطرب لتفاوت الأرزاق، وتسكن إذا تساوت في مصاباتها، وكأن سبيل التساوي برزيئة تصيب ذا النعمة أقرب من التساوي بفرج يطالهما معاً. أو ربما استحضر الحاسد (عامل الزمن) في مصابه، يريدك اليوم أن تتساوى معه في بلاء مرّ عليه في زمن سابق.
علام التحاسد؟
يتحاسد الناس على المكانة، وتحصيل المكانة من الضرورات النفسية، غير أن ما تتحصل به المكانة يتفاوت من زمن إلى زمن، كانت المكانة تُتَحصل بفضائل الأخلاق، ثم صارت -دون ذلك- بأخلاق السيادة والغلبة، ثم صارت إلى أدنى من ذلك من أخلاق المال والسوق، وهذا التحاسد مفضٍ إلى التنافس، والتنافس يكون في ساحات الزحام. انظر ساحات التزاحم اليوم، تجدها هوائية افتراضية لحظية، عُبورها مركون في وجودها، في زمن يتسارع حقيقة لا مجازاً، تأمل هذا التسابق في هذا الزمن، تجد أنه صارت زخارفه تتهاوى أمامك وتزول على مرأى ناظريك. تأمل حال من يحسد ويشمت على هذه اللعاعة، ويكفيه ابتلاءً هذا: أنه يحسد على دنيا هذا حالها، في زمن كهذا الزمن؟
وإذا كان الحسد غير مقدور للعبد[1]، من حيث هو شعور يحفزه دافع نفسي إلى تحصيل المكانة، فالشماتة فعل من أفعال الكلام (أي أنك تقوم بفعل الشماتة بالتلفظ بعبارتها)، وهذا يجعله محض اختيار. يبدو الحسد موقف من الحياة في بنى اجتماعية تتبناه أو ترسخه، إذا كان حاضراً في تشكيل بنية الروابط والعلاقات، مهما ابتعدت هذه الدوائر عن ديناميكية الكسب، تنبئك صراحة التشفي هذه عن حالة من الاعتراف بالحسد أو تبنيه في بيئة ما، بحيث أنه لا يحضر باعتباره رذيلة يُستتر منها أو يُستتاب، بل حضور معترف به في العلاقات.
وإذا كانت الشماتة فعلاً كلامياً، فالتضامن (أو التعاطف) يمكن أن يكون فعلاً كلامياً كذلك في زمن لا نملك فيه الكثير من المواقف سوى القول، فتأمل كم حُرم من حُرم قول حق لا يخسره شيئاً.
ويكفي الحسد أنه ينأى بصاحبه عن موقف عدل، لا يغيب عنه ولكن يتعامى.
تأمل في آية:
“ما يكون من تفاوت في الدنيا فهو شيء مؤقت، أما تفاوت الآخرة فهو التفاوت الحقيقي الأبدي”.
من تدبر سورة التغابن – بدر الثوعي
تأمل في حديث:
“كالبنيان، يشد بعضه بعضا”
التراحم والتعاطف والتعاضد: أفعال مطاوَعة فيها معنى الاشتراك في الفعل، فلا تقوم إلا بالاشتراك في الفعل، لا مِن طرف دون طرف.
أمر إلهي:
“ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم” [النور: 22]
هل تكون (السعة) معنى نفسياً، أن تتسع لتحمل الأذى بعد ما يكون منك من موقف فضل؟
زاوية:
أرأيت كيف تفعل (أفعال الكلام)؟ هل رأيت حصائد الألسن؟
في زمن القول المنفوش، وزمن فتنة الأفكار والتصورات والتنافس على زخارف الدنيا، اللهم اعصمنا.
هامش:
[1] التعبير للإمام الغزالي في وصفه الندم على الذنب أنه “غير مقدور للعبد”؛ أي أنه -بما هو شعور نفسي- لا يملك الإنسان التحكم به أو السيطرة عليه، في باب التوبة في كتاب (المنهاج).
(الصورة:
23 سبتمبر 2023: مراكب على شاطئ مدينة الكويت، أبحرت في فعل رمزي للمطالبة بكسر الحصار عن غزة).
كِدت أكتب -فيما سبق- تدوينة في مديح مؤسسات العمل الخيري الكويتية، وكدت أجعل عنوانها: (مجانين) -لولا أني نهيت عن ذلك-.
الشعب -يا أحبة- تلقّى هذه النازلة -من يومها الأول- بالتداعي إلى عمل الخير، وقد بدأت أول ما بدأت في رمضان، لا مَن في هذا ولا فضل، وإنما تأمّل في الحال. (ولا نقول إننا بدعاً من المجتمعات، fg فينا ما في المجتمعات).



10 من التعليقات
غير معروف
عظيم ما كتبتِ
واللهم آمين
وقد قيل.. ربما يحسد الإنسان على موته
الحاسد: جاهل | جاحد
لا ينشأ الحسد إلا حين يغيب الإيمان بالله تعالى الرحمن الرحيم الرزاق الحكيم العليم العدل الوهاب الكريم..
حصة
يارب، الله يهدينا لصالح الأعمال والأخلاق.
سلمت
غير معروف
تدويييينة راااائعة والأروع فيها روابط المقالات الثانية والتوضيحات
لأنه إن دلت على شيء فهو صدقج في نشر العلم والخير💘
لأن كنتي تقدرين تكتبين الفكرة الأساسية من كل رابط في تدوينتج و تطلع تدوينة متكاملة لج
بس حطيتي الروابط و ساهمتي في نشر كتابها وصناعها
والمستفيد الأكبر احنا القراء إلي من تدوينة وحدة
طلعنا بمقال و بودكسات و حديث نبوي و مبرة خيرية
هذا فعلا الاحسان الحقيقي في الكتابة😍
حصة
“كل مشروك مبروك”
تستاهلون، وِشّي [=أي شيءٍ هي] المعرفة بدون عين القارئ؟
من الكويت
“ولا تمنن تستكثر”
حصة
أبداً.
واجباً، لا غلطاً ولا منّا.
وموقعنا من التاريخ ومن الجغرافيا يُحتم علينا أن نقف هذا الموقف، ونؤدي هذا الدور.
“أعطى فلا جوده قد كان عن غلط
منه، ولا أجره قد كان ممنوناً”
مريم بورحمة
كل تقدير من الله عزّ وجلّ تمحيص وتزكية
المفلح من يلتقط هذه الرسائل
بفتح من الله لا بذكائه 🤍
سلمت يمينُكِ والفؤاد 🌷
حصة
“هو أزكى لكم”
والله يعين على ذلك
حصة
ما زال هناك من ينهاني أن أقول هذه المقالة.
يا لَلمربين!
حصة
القراء اللي يفتحون الروابط، رابطاً رابطاً، في كل تدوينة، وينبهونني على الكلمة والحرف ..
لا عدمناكم.