Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

“قاضٍ في الجنة”: ممارسات عدلٍ صغيرة

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ. فَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ، فَهُوَ في النار. لرجل قَضَى بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ

قال ابن تيمية:

وَالْقَاضِي اسْمٌ كل مَنْ قَضَى بين اثْنَيْنِ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا …

حتى من يَحْكُمَ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْخُطُوطِ، إذَا تَخَايَرُوا. هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وهو ظاهر.


تتصل بأحد المؤسسات أو الشركات لتقضي بعض مصالحك، يرد عليك موظف خدمة عملاء حتى يكاد يتملقك، أو يحدثك كأنما يُلقي على مسمعك نصاً من محفوظاته، أو يكون أحدهم ضَجِراً يتكلف أسلوبه حتى ليظهر لك من وراء ذلك  أثر الملال أو تظهر لك وقاحة “مغلفة”.

تشتري خدمة: إقامة في نزل، أو إصلاح شيء، أو تستفسر عن منتج فيصلك على البريد الالكتروني بعد أيام طلب تقييمها، أو يحولك الموظف نفسه على مكالمة تقييمه، يسألك (طلب التقييم) عن درجة “رضاك” عن الخدمة التي تلقيتها، وهو بطلبه هذا يريد منك تقييم أداء الموظف الذي قدم الخدمة لك، لا محض المنتج. وكثيراً ما يقيّم -على أساس تقييميك- هذا أداء الموظف في سجّله الوظيفي حتى يكون قولك هذا مما تحسب به أرزاقه.

  • أخلاق الموظف أم رضا العميل؟

وقد كانت -فيما سبق- تقييمات الموظفين -فيما شهدت أثناء إقامتي في إنجلترا- تقام على أسئلة من مثل:

– هل كان الموظف الذي قدّم الخدمة مؤدباً؟

ثم يُتبِعه سؤالاً آخر:

– هل كان ودوداً؟

ثم صاروا يسألون:

– هل أنت راض عن الخدمة التي تلقيتها؟

– وما درجة رضاك عنها؟

كانوا يسألون العملاء عن تخلّق الموظف، ثم عن لطفه، فيفرقون بين الواجب المهني (من الأدب؛ كالاحترام -مثلاً)، والنافلة (من تلطف الموظف بالعميل)، ثم صاروا يسألون عن ملاءمة الخدمة لمزاجك -أو يكادون[1]-، والبشر تتفاوت أمزجتهم وأطباعهم، ثم إنهم قد يُنصفون أو يميلون، وقد تتداخل مع أحكامهم مرادات ونوازع ذاتية: قد لا يرضى العميل خدمة أداها الموظف على ما يُطلب منه فيها: كأنْ أن يكون العميل يبحث عن معلومات زائدة، لا يعرفها الموظف، أو مَنعه الموظف خدمة لا تتاح لِمِثله حسب التعليمات[2].

  • عالم يربّي تعاظم النفس[3]

في كتابها[4]: Don’t You Know Who I Am?: How to Stay Sane in an Era of Narcissism, Entitlement, and Incivility (ألا تعرف من أكون؟: كيف تبقي على سلامة عقلك في عصرٍ من لنرجسية والاستحقاق وسوء الخُلق)، تقول أستاذة علم النفس[5] راماني دورفاسولا أن عالم اليوم يربّي النرجسية ويكافئ عليها، حتى لا تكاد -في السياقات المهنية مثلاً- أن تجد من يُعتبر كفؤاً أو يُرشح لمنصب من كان خلواً من هذه السمات[6].

فهل يعتبر من ذلك: أن يُنصب العميل -الذي يمر ليتبضع لحاجته- حَكماً، وأن تعتبر “أحكام” العملاء على أرزاق الموظفين ورُتبهم المهنية، حلقة من دوائر هذا العالم الذي يربي النفس على التعاظم، ثم يسحب من كفاءة الإنسان بساط القيم الاجتماعية لِيُفرش محلها قيم التملك؟ لتغذي هذه الحلقة سوء الأدب، فتحل محل عصا الحسبة التي تنضبط إلى قيم العمل، عصا أخرى تلوّح بها في وجه الموظف: نفسُك المتعاظمة؟[7]

  • ممارسات عدلٍ صغيرة

راجع نفسك قبل أن تقيم موظفاً هل التمست قولاً عدلا، أم حظ نفس تجعل الشركات من تعظيمه كسبا تَرزق به وترتزق به؟ ومن ذلك:

– إذا أردت أن تشكر موظفاً على إحسان في خلق أو إتقان في عمل فربما راسلتَ الشركة برسالة تشكره فيها تقديراً لحسن خلقه، في عالم يموج بالأنا، ونفعاً للموظف، وإحسانا في أداء الحقوق.

– وإذا أزعجك رد موظفّ أنه لم يوف لك ما تريد، فاسأل نفسك -قبل أن تبعث بتقييمك- : هل كان ردّه عن تقصير في أداء عمله، أم عن سوء خُلق؟ أم أن المعلومة أو الخدمة غير متاحة؟ فربما تراجعت عن تقييمه إذا فحصت نيتك.

وعدّ كم حكماً حكمت في يومك: على خادمك، بين صغارك، مع ربّة منزلك، في بيئة عملك، ثم اضربه في أيام عمرك (منذ بلغت التكليف) كم حكماً تلقاه يوم لقاء الله؟ وفي أي كف في موازينك؟


هوامش:

[1] في القطارات، كان فيما يُذيعونه للراكب حين يركب: أن إذا رأيت شيئاً “مثيراً للريبة أو الشك” فبلغ عنه. ثم صاروا يقولون: إذا رأيت شيئاً “لا يبدو على ما يرام”، وهو بلغتهم: that does not feel right  فبلغ عنه، فصارت الريبة معلّقة بشعور الناظر تجاه ما يراه، لا بطبيعة ما يُرى.

(وأذكر سابقة أُذيعت في الصحف البريطانية، أن شخصاً بلباس آسيوي ولحية قد طُلب منه أن ينزل من القطار، ولم يَبلغ وجهته، ولم يُعوّض ثمنها، لأجل أن مظهره كان فيما يبدو لبعض الناظرين أو أحدهم، أنه لا يرام.  

[2] أذكر فتى يعمل في عطلة نهاية الأسبوع في محل شركة اتصالات في بريطانيا -وقد كنت ذهبت إلى المحل لأصلح  خَطي هاتفَي الذي انقطع في فترة غيابهما، فأصلَحهما ، وضبط البرمجة- ثم قال لي: “ستصل لكل جهاز رسالة نصية خلال يومين، فيها تقييم من عشرة، سيسألونك عن خدمة المحل، ذلك تقييم لي”.

فأجبته: “ستحصل على درجتين كاملتين إذاً”.

وتفقدّت الهاتفين حتى وصلت الرسالة، لكي أؤديه ما وعدته، ولولا أنه قد نبهني إلى أن التقييم متعلق بخدمته لظننت أنه تقييم لخدمات (عروض وباقات) المحل، التي لم أكن راضية عنها تماماً.  

[3] أقدّر (أي: أظن) أن النرجسية قد صارت عند البعض مصطلحاً مبتذلاً لكثرة تداوله، غير أن ذلك لا يجب أن ينفي وجود نوع السلوك الذي يعبّر عنه المصطلح.

[4] وهو كتاب في (التعلم الذاتي) موجه لمن يواجهون في حياتهم هذا النمط من الشخصيات.

[5] ولها ظهور بارز في وسائل الإعلام.

[6] أذكر أنها قالت شيئاً عن تراجع قيمة العلاقات والصداقات، وربطته بموضوع الكتاب، وأن أنها قالت أن تعريف (الصديق) وسماته قد تلاشت، وحلّ محلها علاقات أخرى.

[7] لست ممن يتساهل في سوء الخلق، لكن أخلاق الناس ساءت يا صديق، حتى ما عاد يُقيِمها (أي يصلحها) تقييم ينصب سيفاً على رزق الموظف، ولكن يزيدها سوءاً: لأن التقييم الذي يفترض أن يكون باب حسبة ورقابة على تأدية الموظف عمله، صار باباً للتملق أو لسواه من أخلاق السوء أو السوق!  


حاشية:

قال أحد الإخوة ملاحظات نقلها: أن ذلك أول زمان في التاريخ الإنساني يكون من سَننه أن تقوم الأم للخدمة والبنت قاعدة (لا عن عجزٍ ولا عن حاجة)، فصفِنتُ أتأمل ذلك القول: ذلك زمن انقلاب الأدوار؟ أن الذي لا يملك من أصول المهنة شيئاً ينصّب حكماً على مهنة غيره؟  


سطر أخير:

هذا العالم يربيك على الشح، يعقد أرزاقك بشحّك يسميها فظانة أو نباهة أو حسن تدبير، وإلا فليست الأخلاق بصعبة، لولا أن هذا العالم يجعل أرزاقك النفسية والحسية منعقدة بنوع من التكاثر والمشاحة.

1 من التعليقات

  • منى
    Posted 19 أغسطس, 2026 at 9:47 م

    ممارسات العدل الصغيرة مسؤولية وأمانة عظيمة
    عرضت على السماوات والأرض والجبال فأشفقن منها وأبين أن يحملنها وحملها الإنسان الظلوم الجهول ❤️‍🩹

أضِف تعليقاً

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id="14583" element_id="style-1"]