يقول المتنبي:
وغَضْبى من الإدلال
ويقول المعجم[1] أن في فعل الدلال (مكون لفظي)، أي أن سلوك التدلل -في قَدْر منه- متعلقٌ باللغة، وهذا الجانب اللفظي -من فعل التدلّل- هو ما تهتم به هذه التدوينة.
الإدلال -بهذه الصيغة- فعلٌ مُتعدٍ، لأن المدلل مفعول، ممنوح “منزلة شبه جراءة”، تتيح له هذه المنزلة -فيما تتيح – أن “يتجنى في غير موضع تجن”، وأن ” يجترئ عليك”[2]، فـ”كأنها تخالفه وما بها من خلاف”[3] .فالغضب، الذي هو مظهر الإدلال في بيت المتنبي، هو فعل لفظي؛ فيه من التجني والاجتراء وإظهار المخالفة.
ومع ذلك، “دلال المرأة: ودَلّها: حُسن الحديث، وحُسن المزاج والهيئة” و”الدَّل: كالهَدي وهما من السكينة والوقار وحسن الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك”.
فالدلال اجتراء، في مساحة تواصلٍ آمنة[4]، يمنح هذا الاجتراء التمادي في المخالفة المصطنعة أو الممانعة، وتتصل هذه المخالفة باللغة، فلا تكون إلا مع حُسن في الكلام، ولا يكون حُسن الكلام إلا في منطقٍ حَسن، لأن الاجتراء بغير منطق ذكي خَرَق أو حماقة، لا تُستظرف[5].
وعلى ذلك، فإن أول ما تُربيه في البنت من الدلال: أن تنمي لغتها، في جرأة في الحق، وتنمية اللغة -أول ما تكون- تكون لا من جهة تنمية الألفاظ، ولكن من جهة تنمية المنطق، أولاً، فإذا استقام المنطق، تُنمى الثقة، فإذا استقاما، تُمنح مساحة آمنة من الاجتراء والمخالفة- تُلزم فيها بمنطق الأشياء، وتُرخى لها اللغة (أي تقول قولها كما شاءت)، لأنها إذا استقام عقلها سيكون من ذكائها ما تملك به ميزان اللغة في المواقف.
غير أنه يلزم من ذلك أن يكون المربي واسع الصدر، متخفف من حظ النفس، ترضى نفسه بالحق لا يتعاظم عليها، فإن كان كذلك، فأول ذلك التجريء يبدأ من عمر مبكر في الطفولة: أن البنت إذا قالت قولاً حقاً نُزِل عنده، وإذا حكمت حُكما سليماً مُدِحت عليه، أو رُوي عنها لتَعلم مكانةَ ذلك في الأدب، فيُحبّب إليها من الأدب ما لا خور معه، ومن الجرأة ما لا تَجاوز فيها، في ذلك جمع بين نقيضين: (منطق عدل) في (جراءة تَجنٍّ)، وقد مُدِحا معاً، على حالَين، فكيف بهما وقد اجتمعا في حالٍ واحدة؟:
قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة
يوما وإن حكموا كانوا موازينا
وليس ذلك بِدَعاً من التربية، ففي جداتنا أجيال تتمثل في تربيتها قيمة القوة والجرأة والحزم مع عدل وحسن منطق، تُمارسه المرأة في مجالات اتصالها بالمجتمع، و قلّ أن توصف امرأة بحسن التدبير (السَنَع – في دارجة الخليج) دون أن يكون لها من القوة ما يجعلها حازمة، ومن المنطق ما يجعلها صاحبة رأي، تقوم بهما على أمرها وشؤؤن أسرتها، فتردّ بها-إن استلزم أمر- “ردّ الغيور يد الجاني عن الحُرُم“.
هذا التجريء في الثقافة، هو آلة الصون ومظهره، وفي الأبيات المشهورة التي تنسب للأمير راكان بن حثلين:
يا زين ياللي في ذراعك نقاريش
الحكم حكم الله وحكمك على الراس
إن شيتني حشاش سيد الحواشيش
وإن شيتني حطاب قرّب لي الفاس
وإن شيتني خيّال أروي المعاطيش
وأثني وراهم يوم الأرياق يبّاس
الفرخ لا يغويك في صفة الريش
طير الحبارى -يا أريش العين- قرناس
وإلا فما الذي يجعل أمير قبيلة يخاطب امرأة غريبة بهذه اللغة -في مَعرض تَعريضه بأوصاف سيادته- فتعدّ له هذه من أبيات حكمته، __(وقد كانت المرأة أخطأت تقديره وكان قد أوى إلى بيت، وهو في طريق سفر، ليستريح مع مرافقه، فأدخلتهما إلى مضافة الرجال، وألقت عليه الفأس من وراء حجاب، ظنت أن صاحبه هو المخدوم، وأنه يخدمه، فأمرته أن يحتطب فيشعل النار ويصب قهوة الضيوف لصاحبه)، __إلا أن يكون التجريء على المخالفة -على هذا النحو- في بِنية الثقافة: مَحمَدة، ومظهر صون، وفِعل مروءة. [6]
هوامش:
[1] تاج العروس.
[2] لسان العرب
[3] تاج العروس
[4] “دلل : أدل عليه وتدلل : انبسط، وقال ابن دريد : أدل عليه وثق بمحبته فأفرط عليه”
[5] ويكفينا في هذا الزمن ما نطل عليه أو يطل علينا من حماقات وجرآة بكرة وعشيا.
[6] في الكويت، تنتشر في بعض المواسم (شيلات) وقصائد كثيرة، تفخر بها القبائل ويمتدح أبناؤها، وعلى كثرتها، لم ينتشر منها شيء كما انتشرات أبيات من قصيدة، فيها:
لولشي يا بنتنا وفلي الجديلة
وانتخي بعيال عمٍ بالعماسي
كل شارب نشعله لدربك فتيلة …
مَلْمحٌ أو تَجَنٍّ!:
يبدو أن أدب الولد مرتبط بأفعال كثيرة، متعلقة بأدوار التعاطي والمكابدة في الحياة، أما أدب البنت فهو متعلق -حيثما أتيته- باللغة.
والله أعلم!
كتبت ريم (8 سنوات) على باب غرفتها -يوماً-:
No Boys Allowed!
والغرفة غرفتها وغرفة أخيها، وبينما ظنت الأم: “ابنتي مشروعُ نسوية”، كان للجد رأيٌ آخر، قال: “ابنتنا مؤدبة”.
التجنّي، بوصفه استحقاقاً تربوياً!
تَمنح البنى الثقافية للمرء استحقاقات، وتلك الاستحقاقات -كما الواجبات والأدوار- مؤسَسة على قيم تلك الثقافة. تعمل القيم المؤسَسة عليها هذه الاستحقاقات عمل النية في الفعل.
مَلمَح:
بالمَلافَظ تقوم حُجُبٌ للصون، فالقول يمكن أن يكون مُعادلاً موضوعياً لـ”الأنياب والأظفار” التي كانت تُمدح سلاحا ذاتياً للكريم يردّ بها يد السوء، ويدفع بها عن الحُرم، لَسنا ندعو لخوض الحياة بنفسية مقاتل، نعم، لكن مكابدة الحياة تتطلب نوعاً من ذاتية الردع تُحفظ بها الحدود، وحُسن القول مع ميزان حزمٍ وعدلٍ سلاحٌ ذاتي، إذا صلُحت نيته واستخدامه كان فيه من الحفظ والصيانة ما لليث من “أنياب وأظفار” تُستعار سلاحاً في يد الكريم.
وإرخاء القول في التنشئة مع توجيهه بآلتين: تنمية المنطق، وتزكية النفس وبالسعي في تهذيب نوازعها، هو سبيل إنباته نباتاً حسناً، يؤتي من ثماره وعدَ الله للكلمة الطيبة، فالطيّب من القول قد يكون قولاً فيه شدة، لكن في موقعه الصحيح، بالملفظ الصحيح، وبالنية الصحيحة.
(ما وودتُ أني أفسدت “رومانسية” المقالة بهذه الفقرة، لكني وجدتُ في هذا مَلمحاً، فارتأيت أن أذكره).



1 من التعليقات