إن رغيف الخبز هو أول خطوط الكرامة، وثورات الخبر إنما هي ثورات كرامة، ذلك أن أول تهديد لكرامتك أن لا تجد قوتاً تعود به إلى بيتك وترزق منه عيالك. قلتُ هذا منذ زمن، وما زلت أقوله.
ضرورات الإنسان هي خط كرامته الأول لأن آدمية المرء إنما تقوم، أول قيامها، بهذه الضرورات (المأكل والمشرب والمسكن) التي جعلها الله قِوام الحياة. ولا تأتي الفضائل إلا من جهة اكتمال الآدمية، ولا تكتمل أسباب الآدمية إلا بهذه الضرورات: لقمة تسدّ بها جوعك، وشربة تروي بها ظمأك، ومسكناً يؤويك وتستتر به عن أعين الناس.
عندما يسعى المرء إلى لقمة يسد بها جوع عياله، أو عندما يهيئ اللاجئ زاوية من الملجأ ليحفظ بها خصوصيته، فإنما تحاول تلك الجموع أن تهيئ لأنفسها مكاناً يستعيدون، أو يحاكون به، ما فقدوه من سُتر المسكن. هذا فعل كرامة يا كرام، وليس هو فعل ابتذال.
لماذا يفعلون ذلك؟ ولماذا هو فعل كرامة؟
عدوك يريد أن ينتزع منك ضروراتك لأنه يريد أن يقتلك أو يميتك موتة تبدو منزوعة المعنى، قِتْلة دون قِتلة المُنازِل أو الخصم، أو حتى المكافئ في الآدمية، قِتلة تبدو إلى التراب أقرب، فيجعل حياتك متعلقة بالغايات البدائية، لكي يجعل أسباب بقائك تبدو غير متعالية ، فيهزمك في معنى البقاء حياً، وينزع منك معنى البطولة في الحياة وفي الممات (ويجعل ميتتك تبدو كذلك غير متعالية).
ولكنك تتمسك بأسباب الحياة، وتعيد إنتاج الضرورات، لقمة أو مسكناً تأوي به إلى أهلك، أو شربة ماء، تحترم آدميتك، بأن تحاول تهيئة أسبابها.
هذا فعل نضال، وفعل كرامة، ويجب أن يُنظر إليه كذلك.
ولا أدري إن كنت سأفصّل هذا القول المقتضب، ولكني كنت أريد أن أقول هذه الفكرة منذ ضجّت وسائل التواصل بمقاطع مبتذلة الطرح، تجعل من سُتر النازحين في زوايا مراكز اللجوء مادة للإعلام يلوكها أو يستهلكها، وأذكر أني حدّثت صديقة بهذا القول: أن حِفاظ المرء على ضروراته، وتهيئته الأسباب إليها إنما هو فعل كرامةٍ محترَم، وحدّثتُ سيدة إنجليزية بذلك كذلك، فأشفقتا عليّ من أن أقول هذا القول.
أرأيتِ فهماً محفوفاً بالمكاره يا صديق، أرأيت كيف يكون هذه الطريق؟
اللهم هداية وأنساً، اللهم وظلاً ظليلا.


