كلنا يقضي وقتاً طويلا، طويل جداً، ومبالغ فيه أحياناً، على الموبايل. وأنت، في الحقيقة، لو تفحّصت، لوجدتَ أنك إنما تتحرى رسالة أو تتوقع رداً، حتى لو كان محتوى الرسالة بلا كلمات، مثل مشاهدة أو تفضيل، وحتى لو كان هذا لا يستبطن وصلاً حقيقياً.
شذرات
تدوينات قصيرة جداً
ظلّت نظرتي إلى نفسي في علاقتي بالجموع والزخام وضجيج الحياة “الطبيعي” مشوشة حتى أتممتُ هذا الكتاب.
كنتُ أقول لدلال أن جزءاً كبيراً من فهمك للتخلي يتحصل لك عبر تاريخك، وبهذا يكون تاريخك مكوّناً أساسياً لفهمك للتخلي؛ ذلك أن الدنيا مُصمّمة على الفوات ..
كنتُ -عُمْرا طويلاً- أرى بأن التسامح هو الأصل في العلاقات، ثم صرت أرى أن المسافة هي الأصل.
مسافة الأمان التي تمنحك وقاية مما قد يتطلب التسامح لاحقا.
كنت إذا أجلس على طاولة مقهى في العاشرة من صباح يوم من نهاية الأسبوع، يأتي رجل مسن، يرتب الصينية على الطاولة لتتسع لكوبه هو وزوجته، ويجلس أو يدعوني لطاولته، ثم يعطيني رقم موبايله دون أن أطلب، ويرسل رسالة في صبيحة كل سبت: “سنكون في شرفة المقهى بعد ساعة، لا تتأخري”.
مِن أين لك كل هذا النُبل؟
– رزقٌ من الطين؛ جينٌ مبارك، ورزق من السماء ..
ربّوا بناتكم على (الإيقو)، عرّفوهن بأقدار ذواتهن منذ سن الرابعة، علموهن على صيانة قدرها، وما يليق بها من المكارم، وأوثقوا صلة قدر الذات بالفضائل.
كانت -رحمها الله- من ألطف الناس وأقوى الناس، ومن أحسن من قد يمرّ عليك خُلُقاً. وأظن أن قدراً كبيراً مما تتحلى به من حسن خلق راجعٌ إلى قَدْر ذاتها عندها.
نورة تريدني أن أستعيض عن طاولات المقاهي بلايف إنستقرام.
أنا التي أحدّث صديقاتي فرادى، وأختار الطاولة ذات المقعدين، وأُقبِل على من يحدثني بجذعي كله، كأن في قلبي بوصلة تريد أن تضبط اتجاهها.
اتصلت بي أمها المسنة:
“ألو، يا حصة، تعالي شوفي أسما”.
قالت أنها منهارة، ووصفت لي من حالها ما لا أريد أن أراه.
أغلقتُ الهاتف، ومشيتُ في الصالة الصغيرة في خط مستقيم، ذهاباً وإيابا، ثم سحبت من خزانة ثيابي أسبلَها وأيسرها ارتداءً، وخرجت.

