Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

ما أجملُ ثلاث لهجات؟

(تنويه: كانت هذه التدوينة عن الرياض، ثم صارت عن اللهجات)


القسم الأول: عن الرياض

كان آخر[1] عهدي بالرياض -حسبما أذكر- عام 1993، أو نحوه، وآخر زيارة للمملكة عام 2013، في أول أعوام ابتعاثي حين قصدت الحرم في رمضان لأنفض عن روحي وعثاء السفر وأستخير. لكن، لماذا نحب (الرياض)؟


توطئة:

يسمي الكويتيون -على التغليب، أو التفضيل، أو التكاسل، أيها شئت- كل مدينة في بريطانيا: لندن، وقد درستُ في إكستر خمس سنوات، ومازال أهلي والصديقات يقولون -لمن يسأل عني-: “حصة في لندن”، ثم أتبعتها عاماً في يورك، فلم تتغير تسميتهم لها، وأذكر أني قلت ذلك لصديقة أمريكية تقيم في الكويت منذ عقود، فقالت:

I Know! Even Cardiff! It’s another country!

تقصد بهذا أنهم يسمون مدينة (كاردف) التي هي عاصمة (ويلز) –يسمونها: (لندن) التي هي عاصمة (إنجلترا)!


أذكر أني -منذ فترة قريبة- قلت لأبي أن الرياض أكبر مساحةً من الكويت، فقال: غير صحيح، قلت: بلى، أنتم قلتم لنا ذلك أيام الغزو، (تتمثل الأمكنة في عقلي ألفاظاً، لا يحفظ عقلي الجهات والمسافات والخرائط، فلا تعجبوا من تلك الفطانة الخارقة! حتى أني رجعت لويكيبيديا لأتأكد من “المعلومة” القديمة!) وإذا الرياض في ذهني هي المملكة كلها: فلا شك أنهم قالوا أن المملكة كبيرة، وتلقاها عقلي على أن (الرياض) هي اللفظة المكافئة للمملكة.

  • لأنها (وِجهات) السفر القريبة

فيها البر، والبحر، والمزارع والسهول، فيها الجبال والغيم، بيئات كثيرة في أرض واحدة، وتفتح لك من جهتها منافذ سفر أخرى عبر الجسر، تعبره.

كانت الخفجي: خط الأمان ومنفذ الترحاب، حفر الباطن: مدينة الباصات التي تحمل الناس إلى أقاربهم أو المطارات البديلة، جدة: طريق العمرة، خميس مشيط: مدينة السوق، والرياض: الرياض.

  • مدينة اللغة واللهجات

كم تحمل هذه المدينة من أصوات وألوان ولغات، يتحدثون إلى بعض -أهلَ المدينة الواحدة- وقد لا يتبين لأحدهم كل لفظ من لهجة صاحبه، لا تتصور هذا التنوع الهائل، الناتج عن الرقعة الجغرافية الواسعة، مترامية الأطراف، وإن كنت أصلا من مدينة ملونة مختلطة متعايشة [2].

يعرف الناس بعضهم من ألفاظ لهجاتهم، فلا يكاد أحدهم ينطق كلمة حتى يقول له محدثه -من غير معرفة سبقت- من مدينة كذا؟ أو من قوم كذا؟

ولا تحتاج سوى أن تكون طفلاً في مدرسة حكومية في الرياض لينكشف لك هذا التنوع في اللهجات والألوان والطبقات، أو تصلي في أحد الحرمين ليلة عيد لترى النقوش على أكف النساء والأطفال أو على شمغ الرجال، ومثلها في ألفاظ لهجاتهم: كم قهوة يصبون في فناجينهم: كم جيماً ينطقون؟[3]

أذكر صديقة من الكويت مهتمة بالفنون البصرية كانت تدرس في برنامج يتعلق بالفنون والثقافة في إحدى الموسسات الثقافية في الرياض، وكان مشروعها عن ذاكرة الغزو للأطفال -آنذاك-، فأرادت أن تسجل شيئاً من ذاكرتي صوتاً للتوثيق: فكانت كل شهادتي: الكلمات

قلت لها: فنون بصرية في الرياض، عام 90؟ ستكون الكلمات هي اللوحات والصور، بلا شك.

كنت أعتقد أن مشروعاً لا بد أن ينشأ، ليوثق هذا التنوع -شيئاً ما-، فتى يجوب هذه الأرض بكاميرا، وضوء شمس، وأحاديث البلد الكبير، من لهجات، وعمران، وعادات، ومهن.

  • بودكاست (فزعة)

كنت كذلك أعتقد أن مشروعاً لتوثيق المروءات في هذه الأرض، لابد أن يكون، حتى ظهر لي بودكاست (فزعة) وأخواته:  اقشعر جلدي منها، تبدو تلك المروءات وكأنها سليقة في الطبع، يروونها وهُم “يتقهوون شاهي” كأن لم يقوموا سوى بـ (كشتة) (رحلة برية) ألفوها منذ الطفولة حتى صارت من هواياتهم، أو من معاني وجودهم.

وأنت تستمع إلى حديثهم، تجد أن اللغة نفسها بنية ثقافية،  تحضر فيها: مفردات الاحتساب، والإغاثة، والمعنى الأخروي، والتسليم، ألفاظ منعقدة بتاريخ الأرض ورد بعض معانيها في الأثر.


هوامش:

[1] كان أول عهدي بالرياض سنوات الطفولة الأولى، لا أذكر شيئاً كثيراً منها سوى دفاتر أختي حين تعود من الحضانة، وأراجيح بيت جيراننا التي نلعب بها كل يوم. كان والدي يدرس في جامعة الإمام (ولم يكن كل أساتذتهم أكاديميين، كان فيهم شيوخ وعلماء)، وكان اليوم الدراسي -مثل يوم المزارع في الحقل- يبدأ بعد الشروق من محاضرة السابعة، وينتهي عند أذان الظهر.

يجتمع مع زملائه -طلاب الدفعة- مرة كل عام، يذهب مع أخي -حفظهما الله- ليلة ليتزاورون، ثم يعودون، يقول محمد -كلما عاد-: أحب أهل الرياض، فأسأله: علامَ؟ فلا يجيب -على أسئلتي الصحفية الاستقصائية.

أذكر معلومة سمعتها في في مقطع يقول فيه أحد الشيوخ أو الأكاديميين أن كثيراً من التاريخ المروي لم  يُحفظ في نجد: لأجل هذا الانقباض في اللغة؛ أقصد: لأجل ما يُعرف عن أهل نجد من التحفظ.

(ذكرتُ مرة أني أشعر أن في داخلي غَرفة من البحر، وقبضة من رمل الصحراء: رجل بجرٍ: يسولف، وآخر ملتفٌ ببشته، ملثّم أو يكاد: يرمقه مستغفراً!)

[2] يبدو لي، أو أزعم، أن التنوع في الكويت، باعتبارها مجتمعاً حضرياً قديماً، يمزج الناس في نوع من المجتمع الواحد المختلط، بينما في المملكة، باعتبارها بقعة جغرافية مترامية الأطراف، يحضر فيها التنوع في صورة مجموعات متنوعة من البشر، من خلفيات وأعراق وثقافات الجزيرة والوافدين إليها، تشكلت فيما بعد في الوطن، فالتنوع أَظهر في المملكة من هذه الجهة، بينما يظهر في الكويت بوصفه حالة من الامتزاج والتعايش والانصهار في مجتمع صغير نسبياً (كتبت هذه الفكرة على عجل، ولعلي أعود لتوضيحها).

[3] كان يبهرني أن بعض قبائل الجنوب -مثلاً- تُخطئ في نطق أسماء بعض قبائل الشمال، ونحن -هُنا في الكويت- متعارفون حتى نكاد نعرف من كل قبيلة أو عائلة فرداً، يا لَسِعة الجغرافيا!


القسم الثاني: هامش عن اللهجات:

جائزة أجمل ثلاث لهجات (حتى الآن، بالنسبة لي):

  • الأولى: لهجة شيخة: خليط من الفحيحيل والقصيم والبادية: فيها من لهجة قبيلة بدوية، مع لهجة الفحيحيل: مدينة جنوب الكويت، وشيء من القصيم قليل. لا تشبه لهجة شيخة  لهجة أختيها التي صارت إلى لهجة المدينة أقرب، لكن لسبب ما، تحتفظ شيخة بهذا الخليط في لسانها وتحبه.
  • الثانية: لهجة سيدة إنجليزية من ليفربول: التقيتها صدفة وأنا خارجة من مقهى في يورك، كانت تحدث ابنتها -الشقراء- بصوت لفت نظري، ويبدو أنها أرادت ذلك- وحين ابتسمت إليها بادرتني بالسؤال:

Where are you from? 

وإذا زوجها كويتي، تزوجها عام 1976، وكانت حين خطبها -وهما طالبان في الجامعة- لا تعرف عن الكويت سوى اسمها، فذهبت إلى المكتبة لتبحث في الحاسوب والأرشيف عن هذه البلد. تقول إنها حين تزوجت أردات أن ينجح زواجها، فتعلمت ما يلائم الثقافة لكي تتمثله. تعلمت -فيما تعلمت- اللهجة، وصارت تحكي مثل أمهاتنا حتى لا تكاد تميز أسلوب حديثها عن أسلوبهن.

تقول إنها “تهاوش” أولادها باللهجة الكويتية، وكنت قد قرأت مرة في عبارة هزلية أن لغتك الأم هي التي تعد المال بها، وتشتم بها، وترى منامك بها. 

  • الثالثة: لهجة أم عبدالله: قدِمت إلى الكويت عروساً ، من مدينةٍ في القصيم، منذ نحو عَقد من الزمان، ولم تكن قد زارت الكويت قبل ذلك: تخلط اللهجة الكويتية مع مواضع النبر والتنغيم في لهجة القصيم، فيصير حديثها واضحاً لا تحتاج أن تتبين ألفاظه، لكن جرسه مختلف، وفيه ذِكر وأدعية كثيرة.

وكانت عندي فرْضية -بنيتها على مشاهداتي في لندن، وكبار السن عندنا، أن أهل القصيم مثل أهل بغداد، يغترب أحدهم عن الديار شَطر عمره أو ثلثيه أو أكثر من ذلك، ثم لا تنخرم من لهجته لفظة. ثم تبدّى لي بُطلان هذه الفرضية!


رَفّ:


دعاء:

اللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأقوال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.

لا تنفك البنية الأخلاقية عن البنية اللغوية، سبحان الله.


اعتذار:

علي الطنطاوي، الشيخ الأديب، يستطرد.

أضِف تعليقاً

Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id="14583" element_id="style-1"]