كنت إذا أجلس على طاولة مقهى في العاشرة من صباح يوم من نهاية الأسبوع، يأتي رجل مسن، يرتب الصينية على الطاولة لتتسع لكوبه هو وزوجته، ويجلس أو يدعوني لطاولته، ثم يعطيني رقم موبايله دون أن أطلب، ويرسل رسالة في صبيحة كل سبت: “سنكون في شرفة المقهى بعد ساعة، لا تتأخري”.
لا تؤذِ أحداً
كانت -رحمها الله- من ألطف الناس وأقوى الناس، ومن أحسن من قد يمرّ عليك خُلُقاً. وأظن أن قدراً كبيراً مما تتحلى به من حسن خلق راجعٌ إلى قَدْر ذاتها عندها.
اتصلت بي أمها المسنة:
“ألو، يا حصة، تعالي شوفي أسما”.
قالت أنها منهارة، ووصفت لي من حالها ما لا أريد أن أراه.
أغلقتُ الهاتف، ومشيتُ في الصالة الصغيرة في خط مستقيم، ذهاباً وإيابا، ثم سحبت من خزانة ثيابي أسبلَها وأيسرها ارتداءً، وخرجت.
كان مشاري العرادة -الله يرحمه- قد كتب تغريدة، منذ سنوات، أظن في ٢٠١٤ أو قبلها، عن تطبيق ختمة قرآن للشيخ ماهر المعيقلي، وأن هذا التطبيق لا يحتاج لإنترنت.
إن كنتُ سأختار نصيحة واحدة للتعامل مع الناس فستكون: “كن حنوناً على كل أحد”.
لا، مو “حساسة“. ولكن الكلمات رماح، وتَواليها يخرق القلب، وَرتقُه غير متأتٍ على كل حالة.
“You don’t love because, you love despite; not for the virtues, but despite the faults”.
مرّ بي هذا الاقتباس أول مرة في 2012 -أظن- وظلّ عالقاً في مكان ما في ذاكرتي.
يورثك ما تواجهه من ألم في الحياة ليونة في داخلك، وحساسية تجاه كل ألم، وهذا من ألطف الأرزاق وأعظمها.
“كن أنت”
لا تعني أن لا تتغير، أولا تتعاهد عيوبك أو لا تصلح من حالك،
“كن أنت” تعني ألا تتظاهر بشيء ليس منك أو فيك.
ألا تنشغل بإظهار محاسنك، أو أن تُري أحداً شيئاً من نفسك، ستظهر على كل حال.
أمس كنت أقول لصديقة أن ساعة الراحة “إنجاز”، وألا تدفع نفسها لفعل ما يثقل عليها.
وأن أعظم إنجازاتك، في بعض أوقاتك، أن تكون هادئ النفس ..

