كنت قد حضرت محاضرة في الجامعة في إكستر عن (العشق عند العرب؛ بوصفه حالة مرضية)، كانت محل عناية في الطب التراثي ودرسها الأطباء (مثل ابن سينا والرازي وغيرهما)، ولا زلت أذكر كيف أن من الحاضرين أقواماً من الحاضرين كان فوق تَصوّراتهم أن يدركوا أنّ قوماً “إذا عشقوا ماتوا”.
قال بعض الشباب العرب في المحاضرة، أن في بلداننا إذا ما ساء مزاج فتى قيل فيه: ما لِفلان؟ أعاشق هو؟”، وكان الحاضرون يندهشون من ذلك.
كانت المحاضِرة تورد نصوصاً لابن سينا والرازي عن التداوي بالوصل بالمحبوب، أو تشخيص العلة بما يطرأ على المريض عند ذكر اسم المحبوب، أو إيراد ذكراه، غير أن عنوان المحاضرة بالإنجليزية أورد لفظ Love مكافئاً لـ(العشق)، والحب عند العرب “راعية الأدب”، لأنه يُسخي البخيل، ويُشجع الجبان، ويُنطق العيّ، (قرأت هذا ولا يحضرني موضعه، ولعلّي أعود إليه)، فكأن العرب لم يستثنوا الحب من منظومة الأخلاق التي تعد أساسا في (رؤية العالم) عندهم، فالحب -إذ يكون له أثر في الطبع والسلوك، عدّوه من دوافع الفضيلة، واختلفت رؤيتهم للعشق لأجل أن أثره في الطبع يورث نوعاً من العي، فعدّوه عِلة!
ولأجل هذا المكافئ الذي اختارته الإنجليزية لـ(العشق) في هذه المحاضرة، قد يأتي أحدهم فيقول إن العرب تعدّ (الحب) مرضاً، وليس الأمر كذلك، بل هو على النقيض!
الكويت 1990:
وتذكّرتُ أنا -في تلك المحاضرة- من كانت عروساً عُقِد قرانها قبل الثاني من أغسطس ١٩٩٠ بأيام أو أسابيع، ثم أُسِر زوجها وغابت أخباره، تحررت الكويت، ولم يكن من العائدين، وتضاءل الأمل بعودته حتى صار في عداد الشهداء.
وكانت صبية في أول العشرين إذ ذاك، تزور أهله كل أسبوع، ولم تُزَف إليه، حتى إذا جاءها من يشفق على حالها وألحّ عليها أن ترفع دعوى طلاق في المحكمة لتحل به رباطهما، وعدَته أن تنظر في الأمر ثم لم تلبث أن مرضتْ مرضاً يُلزمها الفراش ثلاثة أيام.
كان من يعرفها يعرف أنها تَمرض وتُعاد إذا فكّرت أن تُطلّق من عريسها الغائب.
ومضى حالها على هذا، عروساً لم تلبس البياض، وكنّة لم يظللها مع زوجها سقف.
هامش:
غير أنه في أن يعشق الإنسان ثم يموت نُبلٌ، إذ هو فوق تعففه، لم يجعل من عشقه الغالبِ مادةً للأذى.


